كلمات لابد منها حول الرُّقية الشرعية

" تعريف الرُّقية :- ما يُقرأ من القرآن والدعاء ونحوه لطلب الشفاء من المرض أو لدفع الضرر بإذن الله تعالى ومشيئته.
" مشروعية الرُّقية :- أجمع الفقهاء على جواز الرقية بالشروط التي نبينها بعد قليل وذهب بعض العلماء إلى كراهتها لأنهم رأوا أنها تقدح في التوكل على الله عزوجل واستدلوا بحديث النبي عليه الصلاة والسلام :" يدخل الجنة من أمتي سبعون الفا ً بغير حساب ، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" أخرجه البخاري ومسلم.
وفرَّق بعضهم ما بين الرقية قبل وقوع البلاء و الرقية بعد وقوعه ، فقالوا :المنهي عنه من الرقية ما كان قبل وقوع البلاء والمأذون فيه ما كان بعد وقوع البلاء ويجب على المؤمن أن يوقن بأن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بإذن الله تعالى وقد نبّه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى إلى أمر اعتقادي ونفسي هام يؤثر في عمل الرقية ، فقال: ( وههنا أمر ينبغي الانتباه له وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها ، هي في نفسها وإن كانت نافعة شافية ، ولكن تستدعي قبول المحل وقوة همّة الفاعل وتأثيره ، فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل - الراقي- أو لعدم قبول المُنْفَعِل -المُرْقى- أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء ، كما يكون ذلك في الأدوية الحسية فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء ، وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره ، فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول ، فكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام وكان للراقي نفس فعّالة وهمة مؤثرة في إزالة الداء حصل المقصود) . فإن المَرْقِي إذا اعتقد بمشروعية الرقية وأيقن بفائدتها وجدواها حصل مفعولها بإذن الله تعالى ، وأما إذا لم يستيقن بها فإنها لا تؤثر...والله تعالى أعلم.
وهذه الرقى شأنها شأن الأدوية التي نتداوى بها ، لا تفيد ولا تشفي إلا بإذن الله تعالى ومشيئته فهي من قدر الله الذي يجريه على من يشاء من عباده وهي من الأسباب التي جعل الله منهاج الكون والحياة قائما ً عليها وإذا أخذنا بالأسباب جميعا ً من أدوية ورقىً ولم يحصل الشفاء فهذا من قدر الله تعالى الذي لا حيلة لنا فيه ، وهنا ينبغي علينا الصبر والاستسلام لمشيئة الله تعالى لننال ثواب الصابرين ونكفر خطايانا ، لأن المرض عند ذلك يكون تكفيرا ً للذنوب ورفعا ً للدرجات إذا صبرنا ، ولئلا نبوء بالمرض والألم والإثم معا ً..إذا شكونا تضجرنا واعترضنا ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من مُصِيبة يُصَاب بها المؤمن إلا كفـّر الله بها عنه من خطاياه حتى الشوكة يشاكها "رواه مسلم ...وهذا طبعا ً إذا لم يعترض أو يتضجر.
" شروط الرُّقية :-
1- أن تكون الرقية باللسان العربي ،فلا تجوز الرقية بغير اللغة العربية.
2- أن تكون الرقية بكلام يُفهم معناه ، فالرُّقى المقبولة شرعا ً تكون واضحة المعنى والعبارة أما التي تحتوي على طلاسم ، وعبرات غير واضحة فيحرم استعمالها لأنها قد تحتوي على مخالفات شرعية.
3- ألا تحتوي الرقية على سحر أو أي شيء يداخله شرك بالله تعالى كأن يكون فيها استغاثة أو استعانة بغير الله تعالى من الملائكة أو الجن أو الشياطين أو أشخاص أو غير ذلك ، فالرقية أمر توقيفي لا تجوز إلا بالقرآن الكريم أو بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث أو أذكار ثابتةٍ .
4- أن يعتقد كلٌ من الرَّاقي والمَرْقِي أن الرٌّقية لا تؤثر بذاتها ، بل بذات الله تعالى(أي بمشيئته وإرادته).

" ما تجوز به الرُّقية :-
تجوز الرقية بكلام الله تعالى وهو القرآن الكريم ، فقد قال تعالى في كتابه العزيز:- ( ونُنُزّل من القرءان ما هو شِفآءٌ ورَحْمةٌ للمُؤمِنين ولا يزيد الظالمينَ إلا خَسَارا ً) [ سورة الإسراء: 82 ] ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من لم يَسْتشفِ بالقرآن فلا شفاه الله ".وقد ذهب معظم الفقهاء إلى أن في القرآن الكريم شفاء لأمراض القلوب ، فالقرآن يُزيل عنها الجهل والشك والوساوس... وفي القرآن أيضا ً شفاء من الأمراض البدنية ،فيجوز أن يُقرأ على المريض فاتحة الكتاب أو ما يناسب حالته المرضية من الآيات ، فإن كان فيه قلق أو خوف أو نزلت به نازلة قـُرئت عليه الآيات التي تدعو إلى التوكل على الله عزوجل والرضى بقضاءه وقدره فيطمئن بالهُ وتهدأ نفسه..
كما تجوز الرقية بأسماء الله تعالى وصفاته ، وتجوز الرقية أيضا ً بالأدعية المأثورة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها ما روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: " كان النبي عليه الصلاة والسلام يعوذ بعضهم يمسحه بيمينه فيقول : أذهب الباسَ ربَّ الناسِ ِ ، واشف أنت الشافي ، لاشفاء إلا شفاؤك ، شفاءً لا يغادر سقما ً " . وفي حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا ً يجده في جسده منذ أسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ضع يدك على الذي تألـّم من جسدك وقل : بسم الله ثلاثا ً.وقل سبع مرات : أعوذ بعزة الله وقدرته من شرِّ ما أجدُ وأحَاذِرْ " .رواه البخاري.
" ما لا تجوز به الرُّقية :-
لا تجوز الرقية بالمعظمات من خلق الله مثل الملائكة أو العرش ونحوه ، ولا تجوز الرقية أيضا ً بالتميمة ولا الوَدَعَة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من تعلق تـَمِيْمَة فلا أتم الله له ، ومن تعلق وَدََعَة فلا وَدَعَ الله له". والتميمة : خيط وخرزات كان العرب في الجاهلية يعلقونها على أولادهم دفعا ً للحسد أو العين عنهم. الوَدَعَة : صدفة تـُعلـّق في أعناق الصبيان للغرض نفسه !!. ومعنى الحديث:- أن من فعل ذلك فلا أتم الله صحته ولا عافيته ، ولا بارك الله ما هو فيه من العافية..ولا يجوز أيضا ً تعليق (التولة):- وهي خرزات كانوا في الجاهلية يعتقدون أنها تحبب المرأة إلى زوجها ، ولا تجوز (الرتيمة):- وهو خيط يربط بالإصبع أو الخاتم أو العُنق أو اليد لتستذكر به الحاجة أو لدفع المضرة ، وكل هذه الأفعال وما شابهها من تعليق العظام وغيرها تعود إلى زمن الجاهلية ، ولا يزال بعض الجاهليين يستخدمها حتى يومنا هذا !! وقد أبطلها الإسلام ، وشرع بدلا ً عنها الرُّقية الشرعية ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه رضي الله عنهم :" اعرضوا عليّ رُقاكم " - أي ما تَرقون به - فما وجده موافقا ً للشرع أجازه وما وجده مخالفا ًلشرع منع منه ولم يسمح باستعماله .
" متى تكون الرُّقية ؟
الرقية دواء إلهي مقرر في الكتاب و السنة كما قدمنا ، وهي تنفع بإذن الله تعالى في علاج جميع الأمراض والآفات والشدائد العضوية منها والنفسية ،وقد تواترت بهذا أحاديث نبوية كثيرة أذكر على سبيل المثال:-
* رقية فزع الليل :-
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :- " إذا فزع أحدكم من النوم ، فليقل : أعوذ بكلماتِ الله التامْةِ من غَضَبِِهِ وعِقابهِ وشرِّ عباده ، ومن همزات الشياطين...وأن يحضرون " رواه الترمذي في سننه.
* رقية الهَمْ و الغَمْ :-
عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب (أي الهم والغم) : " لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله ربُّ السموات السَّبْع وربُّ الأرض ربُّ العرش الكريم " .رواه البخاري ومسلم.
هذا... وتندب الرقية في علاج أية ظاهرة مرضية سواء كانت نفسية أو عضوية ، إلا أن الرقية لا تكفي وحدها في كل حال ولا تغني عن الرجوع إلى الطبيب عند حصول المرض ، فإن بعض الأمراض لا يحتمل الانتظار ولا التأخير بل يحتاج لتدخل طبي عاجل ، وإن لنا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فإنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يكتفي بالرقية وحدها في جميع الأمراض بل كان يُداوى نفسه بالأدوية المادية المعروفة في عصره ، وكان يأمر أهله وأصحابه بالتداوي بها ، وكانت الرقية عنده علاجا ً متمما ً يضاف مفعوله إلى مفعول الدواء فيقويه ويسانده ويزيد من تأثيره فيحصل الشفاء بإذن الله تعالى.
" كيفية الرُّقية :-
الرقية كما قدمنا آيات قرآنية وأدعية وأذكار تـُقرأ على المريض والأصل فيها أن يفعلها المريض لنفسه لا أن يطلبها من غيره وإن كان طلبها من الغير مشروعا ً لاسيما إن كان من أهل التقوى والورع والصلاح والخوف من الله تعالى ، وهذا أمر مهم جدا ً ويجب أن يُتـَنبّه له فليس كل واحد من الناس يصلح لأن يُطلب منه أن يَرقِيَ غيره...لأنه وللأسف الشديد كثيرا ً ما رأينا وسمعنا عن أشخاص يتظاهرون بالتقوى والصلاح وقد يقرؤون بعض الآيات والأذكار وهم في الحقيقة من كبار الدجّالين والمشعوذين أو ممن يتعاملون مع مردة الجن والشياطين... والويل كل الويل لمن يقع فريسة سهلة بين أيدي هؤلاء لذا يجب الحذر الشديد من هؤلاء وعدم التداوي عندهم...عافانا الله منهم.
وتكون الرقية بأن يضع المريض يده على موضع الألم أو المرض من بدنه ويقرأ الأدعية والأذكار المشروعة في الرقية كالتي مرت معنا وحبذا لو كان متوضئا ً، وإذا كان المريض يُرْقى من قبل شخص آخر فيشرع للراقي أيضا ً أن يتوضأ ثم يضع يده على موضع الألم أو المرض من جسم المريض وهو يَرْقيه مع مراعاة أحكام الخلوة والعورة واللمس أثناء الرقية ، وعدم التساهل أبدا ً في هذه الضوابط لما يؤدي التساهل فيها من مفاسد وأضرار لا تُحمد عُقباها أبدا ً...
هذا هو الأصل في كيفية الرقية الشرعية وهي مندوبة في مختلف الأمراض و الآفات والآلام ، وأما ما عدا هذه الكيفية من الممارسات التي اعتاد عليها كثير من الناس فإنها لا تقوم على دليل شرعي يُعْتد به بل إن بعضها مخالف صراحة ً للأحكام الشرعية وبعضها محرم قطعا ً ويذهب أكثر الفقهاء إلى أن الأصل في الرقية أت تكون تطوعا ً لوجه الله تعالى فلا يأخذ الراقي من المريض أجرة وحتى الفقهاء الذين أجازوا أخذ الأجرة على الرقية اشترطوا أن تكون بعد الشفاء لا بمجرد الرقية كما هو حاصل اليوم !!...
ومن البدع التي استحدثت في هذا أن بعض الناس اتخذوا من عمل الرقية حرفة ومهنة يتكسّبون منها ، وخصصوا لذلك ما يشبه العيادات الرسمية وهذه بدعة لا أصل لها في الدين وقد بالغ بعضهم باحتراف هذا العمل فأصبح يبيع الزيت والماء والأعشاب وغيرها من المواد التي ( قـَرأ عليها) ونرى أن هذا العمل غير مشروع لما يترتب عليه من مفاسد مضار لا تخفى على أحد...والله تعالى أعلم.

إن علم الرُّقى علم شرعي لا غيبي.

إن الكلام حول القضايا المتعلقة بالإصابة بالعين لا يعتبر خوضاً في مسائل غيبية محجوبة عنا ، فللإصابة باللعين أعراض وآثـار تدل على حدوثها ، وقد ورد عدد من الأحاديث الدالة على هذا المفهوم ، والتي منها ما رواه مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :" العين حق ، ولو كان شيء سابق القَدَر لسبقته العين وإذا استُغْسِلتم فاغسلوا ".

وكلمة سابق القدر:- للدلالة على قوة ضرر العين وشدته.

 يقول ابن حجر في قوله :" العين حق" :( أي أن الإصابة بالعين شيء ثابت موجود ،وقد أنكره بعض المُبتدعة من الجُهّال ، فإذا أخبر الشرع بوقوعه فليس لإنكاره أي معنى ).

يقول الإمام النووي : ( في الحديث إثبات القدر وصحة أمر العين وأنها قوية الضرر ).

وعن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام :" رخص في الرقية من الحُمَّة والعين والنملة ". والنملة: قروح تخرج من الجنب وغيره من الجسد (وربما تكون الأكزيما).

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :" العين حق ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم ".أي أن سبب العين حسد العائن ووسوسة الشيطان له.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : " أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نسترقي من العين"  

كما ثبت من حديث أم سلمة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سُفْعَة فقال :( استرقوا لها فإن بها النظرة ) (متفق عليه) ، والسُفْعَة :هو سواد في الوجه. وقيل: هو حمرة يعلوها سواد. والمقصود من قوله : " فإن بها النظرة" ، أي : أصيبت بالعين ..

وقول أسماء - رضي الله عنها - لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد جعفر- رضي الله عنهم - :(إن العين تسرع  إليهم) ، وفيه دلالة  أكيدة على رؤية بعض الأعراض التي يمكن على ضوئها تحديد الإصابة بالعين وقد تكلم أهل العلم في ذلك فأوضحوا الأثر وبينوه.

* ضرورة التشخيص الطبي قبل الرقية.

 إن المصلحة الشرعية للمريض توجب على المعالج بالرقية الشرعية التأكد أولاً من سلامة المريض من الناحية العضوية الخاصة بالحالة المرضية ،وذلك بتوجيه النصح والإرشاد للمريض بإجراء الفحوصات الطبية اللازمة للتثبت من خلو الحالة من الأمراض العضوية أولا ً .

     ولا بد من اهتمام المعالج اهتماماً شديداً بقضية هامة تتعلق بظهور أعراض الإصابة بالعين لبعض الحالات المرضية مع أن الحالة التي يعالجها تعاني أصلاً من مرض عضوي معين ، وهذه الأمراض قد تكون ناتجة عن أسباب عضوية بحتة وقد تكون نتيجة التعرض للإصابة بالعين والحسد ، ومن هنا كان لا بد للمعالج من الاهتمام بناحية الرقية الشرعية فقط دون التدخل في القضايا الطبية لأن هذا الأمر يدخل ضمن نطاق الأمور الغيبية التي تخفى على المعالج ، فلا نستطيع القول أن كل حالة مرضية تعاني من مرض السرطان (مثلاً) كانت بسبب التعرض للإصابة بالعين والحسد ، وهذا يحتم على المعالج الاهتمام بهذا الجانب فقط وتقديم النصح والإرشاد للمريض وذويه للاستمرار في اتخاذ الأسباب الحسية المباحة الداعية للشفاء بإذن الله تعالى من خلال مراجعة الأطباء المتخصصين .


*المراجع :-
- د. أحمد كنعان : الموسوعة الطبية الفقهية - دار النفائس.
- د. عبدالرزاق الكيلاني : الحقائق الطبية في الإسلام.
- الإمام ابن حجر العسقلاني : فتح الباري شرح صحيح البخاري.