|
طبيعة السِّحر وحكمه
السِّحر في اللغة كل ما لَطـُفَ مأخذُهُ
ودقَّ ، وأصل السِّحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره
، وقيل: إنما سَمَّت العرب السِّحر سحراً لأنه يقلب
أو يصرف الصحة إلى المرض والحُبّ إلى البُغض ، ويُسمى
السِّحر طِبَّا ً ، والمطبوب هو المسحور ، وعرَّفه
الإمام القيلوبي: (بأنه مزاولة النفوس الخبيثة لأقوال
أوأفعال ينشأ عنها أمور خارقة للعادة)،وعرّفه بعض
العلماء: بأنه عقدٌ ورُقى يُتَكلم بها أو تُكتب
أو شيءٌ يُعْمَلُ فيؤثر في بدن المسحور أو قلبه
أو عقله من غير مباشرة له.
اتفق العلماء على أن للسحر حقيقة وتأثيرا
ً في الأبدان ، وقد أثبتوا ذلك من حيث الجملة ،
واستدلوا على ذلك بأدلة منها قوله تعالى:(
قُل أعُوذ بربِّ الفلق ِ* من شرِّ ما خلق* ومن شرِّ
غَاسق ٍإذا وَقبَ* ومن شرِّ النفَّاثات في العقد*
ومن شرِّ حاسدٍ إذا حَسَدَ )[سورة الفلق].
والنفاثات في العقد : هُنَّ السواحر من النساء والدليل
أنه لما أمَرَ بالاستعاذة من شرِّهِنَّ عُلِمَ أنه
لهنَّ تأثيرا ً وضررا ً.
وتأثير السِّحر في الأبدان لا يقتضي
بالضرورة تدخل مخلوقات خارقة كالجنِّ والعفاريت
كما يتوهم معظم الناس ، فقد يكون تأثير السِّحر
ماديا ً مباشرا ً ، وقد يكون بالتخييل والوهم كما
ذهب إلى ذلك كثير من الفقهاء ، فإن التأثير كما
يقول الإمام ابن القيم
–رحمه الله تعالى-:(....تأثير السِّحر يكون
تارة بالاتصال، وتارة بالمقابلة وتارة بالرؤية ،
وتارة بتوجه الروح نحو من يُؤثر فيه ، وتارة بالأدعية
والرُّقى والتعويذات ، وتارة بالوهم والتخيُّل).
والسَّحَرَة المتمرسون يعلمون مدى تاثير
الوهم والتخيل في الناس ، ولا سيما منهم ضعاف النفوس
كما ذكر ابن القيم:( وعند السَّحرة: أن سِحْرَهم إنما يتم تأثيره
في القلوب الضعيفة المُنفعلة ، والنفوس الشهوانية
التي هي معلَّقة بالسُّفليات ، ولهذا فإن غالبا
ًما يؤثر في النساء والصبيان والجُّهال وأهل البوادي
، ومن ضَعُفَ حظـُّه من الدين والتوكل والتوحيد
، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعويذات
النبوية).
وكلما كانت شخصية الساحر أقوى كان تأثيره
في الآخرين أشد ، وكان سحره أبلغ تأثيرا ً!! ، ولا
يُستبعد إلى جانب ذلك أن يتواطأ الساحر مع بعض الوسطاء
من البشر للمساعدة ببعض الأفعال والتداخلات التي
تؤكد الوهم ، وتؤثر في الذين يريدون سِحرَه ، وقد
كشفت بعض الجرائم عن مثل هذا التواطؤ في مناسبات
كثيرة!!.
والخلاصة: أن تأثير السِّحر أمر مُشاهد
معروف تؤكده الوقائع الكثيرة ، فلا يُنكره إلا مُكابر
، وهذا التأثير كما قال بعض الفقهاء لو كُشف أمره
لَعُلِمَ أنه من الأفعال المُعتادة التي يمكن لمن
عرف طريقتها أن يفعل مثلها ، وبما أن السِّحر أمر
غامض ، وليست له أعراض يقينية نستطيع بها أن نؤكد
ما إذا كانت الحالة ناتجة عن السِّحر أم لا ؟ فعلينا
أن نتعامل مع الظواهر الغامضة تعاملا ً علميا ً
فنُخضعها للملاحظة والدراسة والتدقيق ، حتى نتبين
حقيقتها ، ولا يجوز لنا أن نستمر في تعاملنا مع
الظواهر الكونية الغامضة كما كان البشر يتعاملون
معها في الماضي ، إذ كانوا يَرُدُّون أية ظاهرة
مجهولة السبب إلى القوى الخفية ، كالجن والعفاريت
، فلما عرف العلماء أسرار تلك الظواهر راحت المساحة
المنسوبة لتلك القوى تتقلص وتضيق ليحتلها العلم
بفضل الأدوات المعرفية التي يسَّر الله تعالى للإنسان
أن يكتشفها ويعتمد عليها في كشوفاته.
أنَّ ممارسة السِّحر محرمة شرعا ً ،
وقد وردت آيات عديدات تتضمن معنى الكُفر لمن يمارسهُ
، منها قوله تعالى:( ولكن الشياطين كفروا يُعلمون الناس السِّحر)[سورة البقرة:102].فالساحر
إذا تلقَّى سِحْرَهُ عن شيطان فهو كافر كما هو منصوص
في الآية الكريمة كما أن النبي عليه الصلاة والسلام
عدَّ السِّحر من الكبائر ، فقد روى سيدنا أبو هريرة
رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال: " اجتنبوا السَّبع المُوبقات –أي المُهلكات- ، قالوا: وما
هنَّ يا رسول الله؟ قال: الشِّرك بالله والسِّحر.....الحديث".
رواه البخاري.
وقد فرَّق الفقهاء بين السِّحر الذي هو تمويه وحيل
، فعدُّوه من أنواع اللهو المباح إن كان بقصد التسلية
، ما لم يترتب عليه حرام فيكون حينئذٍ حراما ً وبين
غيره من أنواع السِّحر التي يُقصد منها إلحاق الضرر
والأذى بالناس وهو حرام بالإجماع ، وقد ذهب بعض
الفقهاء إلى تكفير من يفعل هذا النوع من السِّحر
، وذهب هؤلاء إلى أنَّ الساحر يُقتل تعزيرا ً، وإذا
ثبت أن سِحْرَهُ أدَّى إلى القتل فإنه يُقتل قصاصا
ً بفعلته.
وفي هذا المعنى يقول الإمام النووي:( إنَّ عمل السِّحر حرام ، وهو من الكبائر
بالإجماع ، والرسول عليه الصلاة والسلام عدَّه من
الموبقات ، ومنه ما يكون كفرٌ ومنه ما لا يكون كفرا
ً، بل معصيةً كبيرة ، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي
الكفر فهو كفر ، وإلا فلا ، وأما تَعَلّمُهُ وتعليمه
فحرام ، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر فإن من يَتعلمهُ
يَكفر ويُستتاب منه ، وإلا يُقتل فإن تابَ قُبِلت
توبتهُ ).
-
صحيح الإمام مسلم بشرح الإمام النووي: للإمام النووي.
-
الطب النبوي : ابن القيم الجوزية.
-
الموسوعة الطبية الفقهية : د. أحمد كنعان.
-
السِّحر في القرآن الكريم : عبد المنعم الهاشمي.
|