كلمات لابد منها في الأدوية والتداوي

التداوي (العلاج): وهو تعاطي الدواء بقصد معالجة المرض أو الوقاية منه وقد أصبح للتداوي في العصر الحاضر أشكال ووسائل عديدة جدا ً منها: العلاج بالأدوية - العلاج بالجراحة - العلاج النفسي - العلاج الفيزيائي وغير ذلك كثير من وسائل العلاج المُسْتجدة.
مشروعية التداوي :
لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يتداوى ، وكان يأمر بالتداوي من أصابه مرض من أهله وأصحابه ، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: " إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داءٍ دواءً ، فتداووا ولا تتداووا بالحرام "أخرجه أبوداود.ويروي سيدنا أبوهريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول :" ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً عَلِمَه من عَلِمَه وجَهِلهُ من جَهله " أخرجه البخاري. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لكل داءٍ دواءٌ ، فإذا أصَابَ دَواءٌ الدَّاءَ بَرِأ بإذن الله عزوجل". صحيح مسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى :( وهذا يَعُمّ أدواء -يعني أمراض- القلب والروح والبدن وأدويتها ).
دَلـَّت الأحاديث على مشروعية التداوي واستحبابه ، وأن الله جعل لكل داء دواء ، وفي هذا تشجيع للأطباء المختصّين للبحث والتفتيش عن الأدوية المناسبة لمعالجة الأمراض. قال ابن حجر رحمه الله : (فيه إشارة إلى أن الشفاء متوقف على الإصابة بإذن الله ، وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجع ، بل ربما أحدث داء آخر إذا قدر الله ذلك ، و إليه الإشارة بقوله :" بإذن الله "فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته . والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافي دفع الجوع والعطش الأكل والشرب ، وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بطلب العافية ودفع المضار وغير ذلك). انظر فتح الباري : 10 / 135
وبناءً على ذلك فقد ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب التداوي في الحالات التي يغلب على الظن الهلاك بسببها لعموم قوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }[سورة البقرة :195]
كما بين النبي صلى الله عليه وسلم القواعد الأساسية في علاج الأمراض من خلال حديثين شريفين أولهما :" إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داءٍ دواءً ، فتداووا ولا تتداووا بالحرام " وثانيهما هو : " من تطبب ولم يكن بالطب معروفا ً فأصاب نفسا ً فما دونها فهو ضامن "وفي رواية :" من تَطبب ولم يُعْلَم منه طب قبل ذلك فهو ضامن "

وبالتالي فإننا نجد أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أتى من خلال هذين الحديثين بقاعدتين عظيمتين من قواعد مزاولة المهنة هما :
- أولاً :- تشخيص الداء ومعرفة حقيقته بواسطة الطبيب المختص.. ثانياً :- وصف الدواء المناسب لهذا الداء.
" أما مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدّه من 12- 17 ذو القعدة 1412هـ الموافق 9- 14 مايو 1992م فقد أصدر القرار 68/5/7 الذي فصّل القول في مشروعية التداوي على النحو التالي :
- ( الأصل في حكم التداوي أنه مشروع ، لما ورد بشأنه في القرآن الكريم والسنة القولية والفعلية ، ولما فيه من حفظ النفس الذي هو أحد المقاصد الكلية من التشريع ، وتختلف أحكام التداوي باختلاف الأحوال و الأشخاص :
- فيكون واجبا ً على الشخص إن كان تركه يفضي إلى تلف نفسه أو أحد أعضائه أو عجزه ، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره كالأمراض المعدية.
- ويكون مندوبا ً إن كان تركه يؤدي إلى ضعف البدن ولا يترتب عليه ما سبق في الحالة الأولى.
- ويكون مباحا ً إن لم يندرج في الحالتين السابقتين.
-ويكون مكروها ً إن كان بفعل -يعني نوع التداوي- يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها).

" ما يجوز التداوي به :

يجوز التداوي بكل دواء يرى أهل الطب نفعه وموافقته للعلة ، ومن القواعد الجوهرية في التداوي أنه إن أمكن العدول عن الدواء إلى الغذاء أو الحمية فهو أفضل وإن أمكن الاكتفاء بدواء واحد فلا حاجة لأخذ دواءين ، وإن أمكن الاكتفاء بالأدوية البسيطة فلا حاجة إلى الأدوية المركبة وهكذا...
وبما أن لمعظم الأدوية تأثيرات جانبية ضارة ، ولا يكاد يخلو دواء من بعض هذه التأثيرات مهما ادعت الشركات المنتجة له أنه مأمون العواقب ، فإننا ننصح بعدم تناول أي دواء إلا بمشورة الطبيب ، بعد التقيد بطريقة الاستعمال وكمية الجرعة ومواعيد تناولها وكم شاهدنا من حالات يُسَاء فيها استعمال الدواء فإذا بها تنتهي بكارثة !!
وتدل المشاهدات السريرية على أن الانتفاع بالدواء يكون أفضل إذا ما اقتنع المريض به ، وأيقن أنه يشفى به بإذن الله تعالى ، وقد أشار ابن القيم إلى هذه الحقيقة فقال :( إن من شرط انتفاع العليل بالدواء قَبُوله واعتقاده النفع بالدواء ، فَتَقْبَله الطبيعة وتستعين به على دفع العلة ، حتى إن كثيرا ً من المعالجات تنفع بالاعتقاد وحسن القبول وكمال التلقي ، وقد شاهد الناس من ذلك عجائب ).

" ما يحرم التداوي به :

يحرم التداوي بجميع المحرمات وذلك لعموم النهي عن المحرمّات ، إلا في حال الضرورة فيجوز استعمال المحرّم للتداوي إذا تعين علاجا ً للمرض ولم يكن عنه بديل من الحلال على أن يكون ذلك بمشورة طبيب عدل ثقة صاحب خبرة ويشترط في هذه الأحوال إن يستعمل الدواء بقدر الحاجة ودون تجاوز عملا ً بالقاعدة : [ الضرورات تقدّرْ بقدَرها ]. وأما حديث النبي عليه الصلاة والسلام :" إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم ".

فقد ذكر العلماء أنه يتضمن نفي الحُرمة عند العلم بالشفاء فصار معنى الحديث :إن الله تعالى أذن لكم بالتداوي وجعل لكل داءٍ دواء ، فإن كان في ذلك الدواء شيء محرم وعلمتم أن فيه الشفاء ولا بديل عنه فقد زالت حرمة استعماله هذا مع الحذر الشديد عند تداول الأدوية المحرمة ، لأن النفوس بطبعها تميل إلى بعض الأدوية المحرمة الجالبة للذة كالمخدرات ونحوها ، وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى :( إن في إباحة التداوي به ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة و اللذة ، لاسيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها ومزيل لأسقامها وجالب لشفائها ، فهذا أحب شيء إليها والشارع -يعني الله تعالى ورسوله- سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن، ولا ريب في أن بين سد الذريعة إلى تناوله وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضا ً وتعارضا ً ).
ولهذا ننصح و نؤكد على عدم التداوي بالمحرم إلا لضرورة مشروعة يقدرها ويقررها طبيب عدل ثقة.
المراجع:
*د. أحمد كنعان - الموسوعة الطبية الفقهية.
*د. عبد الرزاق الكيلاني - الحقائق الطبية في الإسلام.