خِصَالُ الفِطْرَة

(الفطرة) في الأصل تعني: ما يميل الإنسان إليه بطبعه وذوقه السليم. والإسلام كله يكون بهذا دين الفطرة، وتعاليمه كلها هي سنن الفطرة.

لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خصَّ فيها مجموعة من السنن والتعاليم سماها " سنن الفطرة " لارتباطها ببدن الإنسان ووظائفه الحياتية.

فمن هذه السنن ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " خمس من الفطرة ـ وفي رواية ـ الفطرة خمس: الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط " رواه البخاري ومسلم.

وما روته سيدتنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عشر من الفطرة ، قص الشارب واستنشاق الماء والسواك وإعفاء اللحية ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء وقص الأظافر وغسل البراجم قال الراوي ونسيت العاشرة إلا أن تكون: المضمضة ". وانتقاص الماء يعني: الاستنجاء. رواه مسلم . وقال القاضي عياض : لعل العاشرة الختان لأنه مذكور في حديث (الفطرة خمس).

وكما ورد في حديث الإسراء والمعراج " عندما خيَّرَ جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم ، تاركاً الخمر وشارباً اللبن ، فقال جبريل : الحمد لله الذي هداك للفطرة ". رواه البخاري ومسلم .

قال ابن الأثير : " الإنسان يولد على نوع من الجبلة والطبع المُهَيَّء لقبول الدين، فلو ترك الأمر عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها ، وإنما يعدل من يعدل لآفة من البشر والتقليد " ..وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: " كلُّ مَولودٍ يُولد على الفطرة فأبواه يُهَودانه أو يُمجِّسانه أو يُنصِّرانه ".

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى:(وإذا ابتلى إبراهيمَ رَبَُّه بكلمات فأتمهنَّ)[سورة البقرة: 124]

قال : " ابتلاه بطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد . في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس (أي الشعر). وفي الجسد تقليم الأظافر وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء" .
قال أبوشامة : ( الفطرة هي الخلقة المبتدئة ، أي أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها . والاستحداد استعمال الموسى في حلق الشعر ، والبراجم: هي مفاصل الأصابع أو العقد التي على ظهرها ، والمراد بها المواضع التي تتجمع فيها الأوساخ من البدن) .
وقد فسر كثير من العلماء " الفطرة " التي ورد ذكرها في الأحاديث النبوية بأنها " السنة " أي الطريقة التي جاء بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقد أمر الله سبحانه نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بهم في قوله تعالى :(فَبِهُدَاهُمْ اقتَدِه) .

يقول الإمام النووي: " جزم الإمام الماوردي وأبوإسحاق بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث : الدين . وقال البيضاوي : الفطرة المرادة هنا هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع وكأنها أمر جبلِّيّ فُطِروا عليه" .
وخصال الفطرة كلها ، التي حث عليها الإسلام بدعوة صريحة من نبي الرحمة...وأياً كان تفسير العلماء لكلمة الفطرة ، فإنها تنضوي تحت عنوان " النظافة " والذوق السليم .

وسنتناولها في بحثنا هذا بالتفصيل، مع المنافع الصحية والاجتماعية التي يحصل عليها المسلم عند التزامه بها في حياته الدنيا.

ولقد نَبَّه ابن حجر إلى أنه يتحصل من مجموعة ما ورد من آثار صحيحة في خصال الفطرة أنها خمسة عشر خصلة وهي الختان والسواك والاستحداد (حلق العانة ) وتقليم الأظافر ونتف الإبط وقص الشارب وإعفاء اللحية والانتضاح وغسل البراجم والمضمضة والاستنشاق والاستنثار والاستنجاء وفرق الشعر وغسل الجمعة .

* الختان:-

والختان : مصدر خَتَنَ أي قطع.

والمراد قطع الجلدة التي تغطي حَشَفة الذّكر ، و أما الاستحداد فالمراد به استعمال الموسى - أو أي آلة حادة – لإزالة شعر العانة ، وهو الشعر الذي فوق ذكر الرجل و حواليه ، و كذا الشعر الذي حوالي فرج المرأة .
وقد نشرت المجلة الطبية البريطانية
BMG - و هي من أشهر المجلات الطبية - مقالاً عن سرطان القضيب و مُسبباته عام 1987 ، جاء في هذا المقال : إن سرطان القضيب نادر جداً عند اليهود و في البلدان الإسلامية ، حيث يجري الختان أثناء فترة الطفولة ، وأثبتت الإحصائيات الطبية أن سرطان القضيب عند اليهود لم يشاهد إلا في تسعة مرضى فقط في العالم كله.
ومن العوامل المهيئة لحدوث سرطان القضيب : التهاب الحشفة ، و لما كان الختان يزيل هذه القلفة من أساسها فإن المختونين لا يحدث لديهم تضيُّق في القلفة ، كما أنه يندر جداً أن يحدث التهاب الحشفة عندهم ، و يبدو أن تضيُّق القلفة ينجم عن احتباس اللخن: وهي مفرزات تتجمع بين حشفة القضيب والقلفة عند غير المختونين ، وقد ثبت أن لهذه المواد فِعْلاً مسرطناً.
ونشرت مجلة المعهد الوطني للسرطان دراسة أكدت فيها أن سرطان القضيب ينتقل عبر الاتصال الجنسي ، وأشارت إلى أن الاتصال الجنسي المتعدد بالبغايا يؤدي إلى حدوث هذا . كما ورد في تقرير نشرته الأكاديمية لأمراض الأطفال جاء فيه : إن الختان هو الوسيلة الفعالة للوقاية من سرطان القضيب . وأكدت المجلة الأمريكية لأمراض الأطفال أن التعاليم الدينية عند المسلمين واليهود التي تقرر اتباع الختان : تلعب دورا ً أساسياً في حث هؤلاء على الأخذ بهذه الفطرة.
* الاستحداد :

يقول الإمام النووي: " الاستحداد هو حلق العانة وسمي استحداداً لاستعمال الحديد (الموسى أو الشفرة ) .وهو سنة ، والمراد به: نظافة ذلك المكان.

والأفضل فيه الحلق ، ويجوز بقص الشعر أو نتفه . والمراد بالعانة الشعر النابت حول الذكر أو الفرج وما يلحق به مثل الشعر حول الدبر . وأما وقت حلقه فالمختار أنه يضبط بالحاجة , وطوله ، فإذا ما طال حلق .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظافر وقص الشارب ". رواه البخاري .

وعن أنس بن مالك رضي الله عليه وسلم قال : " وقَّت -أي حدد مدَّة معينة- لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة " رواه مسلم .

إن ناحية العانة وما يحيط بالقبل والدبر ، منطقة كثيرة التعرُّق والاحتكاك ببعضها البعض ، وإنه إن لم يحلق شعرها تراكمت عليه مفرزات العرق والدهن، وإذا ما تلوثت بمفرغات البدن من بول وبُراز صَعُبَ تنظيفها حينئذ، وقد يمتد التلوث إلى ما يجاورها فتزداد وتتوسع مساحة النجاسة ، ومن ثم يؤدي تراكمها إلى تخمرها فتنتن وتصدر عنها روائح كريهة جداً ، وقد تمنع صحة الصلاة إن لم تنظف وتقلع عنها النجاسات .

وحلق شعر العانة أيضاً وقاية من الإصابة بعدد من الأمراض الطفيلية المؤذية كقمل العانة الذي يتعلق بجذور الأشعار ويصعب حينئذ القضاء عليها . كما يخفف الحلق من إمكانية الإصابة بالفطور المغبنية . لذا سن الإسلام حلق العانة والأشعار حول الدبر كلما طالت تأميناً لنظافتها المستمرة ولأنها من أكثر مناطق الجسم تعرضاً للتلوث والمرض .

نتف الإبط :

قال النووي: " وأما نتف الإبط فهو سنة بالاتفاق والأفضل فيه النتف لمن قوي عليه ويجوز بالحلق وغيره " ..

ويرى العلامة ابن حجر أن الهدي النبوي بنتف شعر الإبط وليس بحلقه لأن النتف يُضْعِفُ التعرق تحت الآباط .

ويؤكد د. إبراهيم الكيلاني أن النتف يضعف إفراز الغدد العرقية والدهنية

وإن الاعتياد عليه (أي بالنتف) منذ بدء نموه ودون أن يحلقه أبداً يضعف الشعر أيضاً ولا يشعر المرء بأي ألم عند نتفه . والمقصود بالنتف أن يكون باليد ويمكن إزالته أيضاً بالرهيمات المزيلة للشعر .وفي الحقيقة فإن نمو الأشعار تحت الإبطين بعد البلوغ يرافقه نضوج غدد عرقية خاصة تفرز مواد ذات رائحة خاصة إذا تراكمت معها الأوساخ والغبار أزنخت وأصبح لها رائحة كريهة ، وإن نتف هذه الأشعار يخفف إلى حد كبير من هذه الرائحة ، ويخفف من الإصابة بالعديد من الأمراض التي تصيب تلك المنطقة كالمذح والسعفات الفطرية والتهابات الغدد العرقية (عروسة الإبط ) والتهاب الأجربة الشعرية وغيرها ، كما يقي من الإصابة بالحشرات المتطفلة على الأشعار كقمل العانة.

 

* قص الشارب وإعفاء اللحية :

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أحفِّوا الشارب وأعفوا  اللحى ". رواه البخاري .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ;" جُزُّوا الشوارب وأرخوا اللحى ، خالفوا المجوس". رواه البخاري ومسلم .

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من الفطرة قص الشارب " رواه البخاري .

وعن أنس بن مالك رضي الله عليه وسلم قال : "  وقَّت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قي قص الشارب ... ألآ نترك أكثر من أربعين ليلة " رواه مسلم .

وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " رواه النَّسائي وأحمد ، ورواه الترمذي عن المغيرة بن شعبة وقال حديث حسن صحيح .

 قال النووي : " وأما قص الشارب فسنة أيضاً . وأما حدّ ما يقصه فالمختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله . وأما روايات أحفوا الشوارب فمعناها ما طال على الشفتين ، وإعفاء اللحية توفيرها وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهي الشارع عن ذلك .

إن قص الشارب سنة بالاتفاق ، إنما يرى الشافعية والمالكية التقصير أي قص الزائد عن الشفة العليا، بينما يرى الحنفية استئصال الشارب كله والحنابلة مخيرون بين هؤلاء وهؤلاء.

ومن الناحية الطبية فإن الشوارب إذا ما طالت تلوثت بالطعام والشراب وأصبح منظرها مدعاة للسخرية وقد تكون سبباً في نقل الجراثيم.

وعندما يقص المسلم شاربه يبدو بمظهر التواضع والارتياح خلافاً لما يخلفه إطالة الشارب وفتله من مظهر الكبر والجبروت الذي يَبْغَضه الله ورسوله .

وسنة الإسلام في قص الشارب تتفق مع ما دعا إليه الطب ، بقص ما زاد عن حدود الشفة العليا فقط وهو ما كان عليه جمع من الصحابة كعمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير ، وهو ما ذهب إليه الشافعية ومالك ، وإن عدم إزالة الشارب بقصه فقط تتفق مع الطب الوقائي. 

أما اللحية فقد دعا الإسلام إلى إعفائها وعدم حلقها : وقد ذهب المالكية والحنابلة إلى حرمة حلقها وقال الحنفية بكراهية التحريم .

ومن الناحية الصحية فإن د. عبد الرزاق كيلاني يرى أن عمل الرجل يؤدي إلى كثرة تعرضه لأشعة الشمس والرياح الباردة والحارة والذي يؤثر سلبياً على الألياف المرنة والكلاجين الموجودين في جلد الوجه ويؤدي ذلك شيئاً فشيئاً إلى ظهور التجاعيد والشيخوخة المبكرة . وقد خلق الله اللحية في وجه الرجل للتخفيف من تأثير هذه العوامل ، ولم يخلقها للمرأة لأنه سبحانه خلقها للعمل في البيت بعيداً عن تأثير الأشعة الشمسية وتقلبات الرياح .

من هنا نرى النتيجة الرائعة للهدي العظيم في أن وجه الملتحي أكثر نضارة وشباباً من وجه حليق اللحية ، الذي يكون قد أنهك بشرة وجهه بالحلق ، كما أن وجه المرأة المحجبة أكثر حيوية ونضارة من وجه السافرة مهما تقدمت بها السن.

هذا عدا عما يسببه حلق اللحية اليومي من تهيج للجلد وتخريب لأنسجته ، وعلاوة عما في حلق اللحية من تشبه الرجل بالمرأة وقد " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال " كما روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في صحيح البخاري. هذا بالإضافة إلى أنه يكون قد خالف ما كان عليه قدوتنا وسيد الخلق كلهم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم...وكفى بهذه المخالفة ناهيا ً ورادعا ً عن مخالفة سنته عليه الصلاة والسلام ، والتي ورد في الحث عليها والأمر بها أحاديث كثيرة مما يدلك على أهميتها والتأكيد عليها.

المراجع :-

- بحث مُقدم من العلامة الدكتور محمد نزار الدقر ، اختصاصي بالأمراض الجلدية والتناسلية – دكتور فلسفة في العلوم الطبية.

- " الأربعون العلمية " عبد الحميد محمود طهماز - دار القلم.

- قبسات من الطب النبوي  (باختصار)