|
الاستمتاع الجائز بالمرأة الحائض
إن الإسلام يتميَّز عن غيره من الديانات بأنه يعامل
الزوجة في أثناء فترة المحيض معاملة عطوفة ليِّنة، فهو لم يمنع الزوجين من كافة
الممارسات الجنسية، بل منعهما مما فيه ضرر فقط عليهما، وأجاز كل ما عدا ذلك، كما
بيَّن ذلك العلماء مستدلين بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، وجعل الخطاب في هذه
التوجيهات مُوَّجهاً للزوج، فلم ينه الإسلام الزوج عن جملة الاستمتاع بزوجته بل
سمح له بقسط وافر من ذلك، تلبيةً لما في نفسه من رغبة، ولما في ذلك من مواساة
وتخفيف عن زوجته الحائض في بعض ما تعانيه من آلام نفسية وأوجاع بدنية في أثناء هذه
الفترة الحرجة، وللفقهاء في هذا الموضوع كلام دقيق ألخّصه فيما يلي:-
*
استمتاع الرجل بزوجته فيما عدا الجماع - فهو مُحرَّم- أثناء الحيض، على رأيين:-
* الرأي
الأول:- استمتاع الرجل بزوجته أو مباشرته لها، بما فوق السرَّة
وتحت الركبة فقط :
فيجوز للزوج أن
يستمتع بزوجته بالقبلة أو المعانقة أو اللمس أو النوم معها في فراش واحد أو غير
ذلك من أوجه وطرق الاستمتاع، ويجوز له أن يُبَاشرها، أي: أن يُلصق بشرته ببشرتها
أيضاً، وهذا بعد أن تلف حول نفسها إزاراً أو تلبس سروالاً أو بنطالاً تستر به فرجها
لئلا يتمادى الأمر بينهما فيجامعها الزوج في الفرج فيقعا في المُحرَّم.
وهذا النوع من
الاستمتاع أجازه جمهور العلماء والفقهاء ولم يُمانع فيه أحد من العلماء وقد روى
الإمام البخاري والإمام مسلم في هذا الشأن عدة أحاديث منها ما يلي:
- عن سيدتنا
عائشة رضي الله عنها قالت: «كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تأتزر
بإزار في فور حيضتها ثم يباشرها». رواه البخاري ومسلم.
بمعنى: أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يستمتع أو يباشر إحدى زوجاته وكانت
حائضاً أمرها أن تلبس إزاراً تلفه حول نفسها لتستر ما بين السُّرَّة والركبة ثم
يقترب منها ويباشرها ولو من فوق الإزار. في فور حيضتها: أي في وسط مدة الحيض
وأوجها.
- عن حكيم بن
حزام عن عمه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟
قال: «لك ما فوق الإزار». رواه أبو داود.
بمعنى: أي يجوز
لك أن تستمتع بزوجتك بما فوق السُّرّةَ، وحدود الإزار عرفاً عند السُّرَّة.
- عن زيد بن
أسلم أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟
فقال صلى الله عليه وسلم :«لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها». رواه أبو داود.
* الرأي
الثاني :- استمتاع الرجل بكامل جسم زوجته ماعدا الدبر والقبل وهو
موضع الدم:-
أما هذا النوع
الثاني فقد رأى جمهور العلماء والفقهاء أنه حرام ولا يجوز، ورأت فئة قليلة من
العلماء الجواز إذا كان الرجل تقيَّاً ورعاً يستطيع أن يضبط نفسه عن الفرج، وقد
استدل جمهور العلماء والفقهاء على تحريم ذلك بأن استمتاع الرجل بزوجته بما هو بين
السرَّة والركبة أثناء فترة الدورة الشهرية - وعدم الاقتصار على النوع الأول من
الاستمتاع- قد يؤدي إلى أن يقع في المُحرَّم وهو الجماع في مكان الدم (الفرج) وهو
أمر مُحرَّم بل كبيرة من الكبائر، قال الشافعي: (من فعل ذلك فقد أتى كبيرة). لذا
كان عامل الوقاية هنا أن يستمتع بزوجته أثناء الدورة الشهرية بما فوق السُّرَّة
وتحت الركبة فقط لئلا يقع في المُحرَّم، ويقول العلماء: (مباشرة الحائض والاستمتاع
بها وهي مُتَّزرة احتياطاً يقي من الوقوع في المُحرَّم، ولأنه لو أباح الاستمتاع
ببطنها وبفخذيها كان ذلك طريقاً ممهداً إلى الجماع في الفرج وهو مُحرَّم فمُنِع من
ذلك). وأُمرت الحائض بالاتزار لأن ذلك هو الأحوط خاصة وأنه قد ورد من فِعل
الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان يأمر
أزواجه بالاتزار إذا أراد مباشرتهن كما تبين معنا من خلال الأحاديث التي ذكرت قبل
قليل.
·
وهنا ملحوظة مهمة يجدر بكل زوج واعٍ أن ينتبه إليها، وهي أن المرأة في أثناء
فترة الحيض تكون في بعض الأحيان على حالة نفسية خاصة غير الحالة التي تكون عليها
خارج أيام الحيض بسبب التغيرات الهرمونية التي تطرأ عليها، من غير أن تملك المرأة
حيال ذلك شيئاً، فتصاب أحياناً بالضيق والضجر والكآبة أو بالحساسية والعصبية أو
بالدوّار (بالدوخة) والتعب، فينبغي على الزوج أن يقدِّر ذلك ويستقبل كل ما يصدر
منها بصدر واسع ونف! س هادئة، وأيضاً تقل عندها الشهوة أو الرغبة الجنسية فلا تميل
إلى المُمَارسات الجنسية بالدرجة نفسها التي يكون عليها الزوج وذلك بسبب قِلة
إفراز الهرمونات التي تُحرِّض المرأة وترغبها في المُمَارسات الجنسية، ولهذا نجد
أن الخطاب الذي ورد في الآية الكريمة ينهى عن الجماع في الحيض موجهاً للرجال دون
النساء، لأن الزوج في الغالب هو الذي يطلب..لا الزوجة.
ـــــــ
·
أهم المصادر والمراجع:-
- المفصل في أحكام المرأة والبيت والمسلم : د. عبد الكريم
زيدان.
- نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار : الإمام محمد بن علي الشوكاني.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري: الإمام ابن حجر العسقلاني.
- صحيح مسلم بشرح النووي: الإمام
النووي.
- توضيح الأحكام من بلوغ المرام : عبدالله البسام.
- المجموع شرح
المهذب : الإمام النووي.
- المُغني :
الإمام ابن قدامة.
- حاشية
الدسوقي على الشرح الكبير : الإمام الدسوقي.
- رد المحتار
على الدر المختار : الإمام ابن عابدين.
- الموسوعة الفقهية : وزارة
الشؤون الاجتماعية والأوقاف ، الكويت.
|