تَصْحِيْحُ مَفْهُوْم ...حَوْلَ الحَيْض.

عن عائشة رضي الله عنها قالت : خرجنا مع النبي rولا نُرِيد إلا الحج حتى إذا كنا بسَرِف – اسم مكان بين مكة والمدينة - أو قريباً منها حِضتُ فدخل عَلَيَّ النَّبِي rوأنا أبكي، قال: أَنفِستِ؟ -يعني الحيضة- قلت: نعم، قال: «إنَّ هذا شيءٌ كتَبَه الله على بَنَاتِ آدم، فاقضِ ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي». رواه مسلم

إنَّ قول النبي r: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم». رواه البخاري ومسلم.

قول مُعْجز لأنه قرر حقيقة تُخَالف ما كان شائعاً في بني إسرائيل أن الحيض أول ما أرسل ، كان في بنات بني إسرائيل ولم يكن قبل ذلك، وهذا مُخالف للحقيقة، فالحيض لا يختصُّ بِبَنَات بني إسرائيل، ولم يَبْتدئ منهنَّ، بل هو في كل أنثى من لدن سيدتنا حواء، وقد روي عن عبد الله بن عباسt أنه قال: (إنَّ ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أُهْبِطَت من الجنَّة ، وإذا كان ذلك فبنات آدم بناتها).

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: قول النبي r ! في الحيض: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم». رواه مسلم

هذا تَسْلية لها وتخفيف لهمِّها، ومعناه: أنك لست مختصةً به بل كل بنات آدم يكون منهن هذا، كما يكون منهن ومن الرجال البول والغائط وغيرهما، واستدل البخاري في صحيحه في كتاب الحيض بعموم هذا الحديث على أن الحيض في جميع بنات آدم، وأنكر بهذا الحديث على من قال: إن الحيض أول ما أرسل وقع في بنات بني إسرائيل. 

ومن الثابت أن للحيض صِلَةٌ عضوية بجهاز الحمل في جسم المرأة، وأن الله جَلَّت حكمته جعله من أسباب الحمل ووصول الغذاء إلى الجنين مدة الحمل، فالأطباء المختصون يقولون: إنَّ الدورة الشهرية التي تَعْتَري المرأة من البلوغ حتى اليأس ما هي إلا استعداد متكرر للحمل، فالرحم يُحَضِّر نفسه كل شهر مرة واحدة لاستقبال الحمل ، فإن لم يحصل الحمل تَخلَّص من آثار استعداداته تلك وحاض وأخرج تلك التحضيرات إلى خارج الجسم وبدأت الدورة الشهرية، واليوم الأول من الحيض هو اليوم الأول من الدورة الشهرية، ولكن اليوم الأخير من الحيض هو اليوم الذي تنتهي فيه تماماً آثار الدورة الطمثية السابقة..فالحيض في الواقع مرحلة تراكب بين الدورتين المتتابعتين.. فلو أن البويضة المؤنثة التي انطلقت من المبيض قبل عدة أيام وجدت نُطَفَاً مُذَكَّرة في انتظارها في البوق فالتحمت بإحدا! ها وشكلت مع النطفة الأمشاج، فإن هذه ما تلبث أن تسير عبر البوق إلى الرحم، فتجد كمية كبيرة من الغذاء في المخاط المذكور، وتجد غشاء باطن الرحم سميكاً غنياً بالتغذية، فتحفر لنفسها نفقاً فيه تسكنه ويُغْلَق عليها وهي تَنْعم بكل ما تحتاجه من غذاء وأوكسجين، فتنمو وتتطور وتكبر يوماً بعد يوم، أما إذا لم يحصل الإلقاح فإن النطفة المؤنثة لا تلبث أن تموت في غضون (24ساعة) بعد انقذافها من المبيض، وبعد ذلك ينعدم الأمل بحصول الحمل في هذه الدورة فيبدأ الرحم بالتخلص من بطانته التي حَضَّرها لذلك، فيخف احتقانها وتنكمش وتخف سماكتها ، مما يؤدي إلى انغلاق شرايينها الحلزونية الشكل التي تأتيها بالدم عبر شرايين الرحم، فإذا انغلقت هذه الشرايين ماتت بطانة الرَّحم لانقطاع الدم عنها، وتنخَّرت ثم انطرحت عبر عنق الرحم إلى الخارج، وهذا هو دم الحيض [عن كتاب القرار المكين – باختصار].

فالحيض إذن جزء من بُنْيَة المرأة العضوية التي خلقها الله تعالى كما قرّر النبي r بقوله في الحديث الشريف: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم»..

ولابد من الإشارة في هذا المقام إلى حديث رسول الله r الذي رواه الإمام البخاري -رحمه الله- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «..ما رأيت من ناقصات عقل ودين أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُل الحازم من إحداكنَّ. قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها». رواه البخاري

الذي نريد أن نَلْفِتَ النَّظَر إليه هو أنه وللأسف الشديد يَتَجَرَّأ بعض من حُرِم الفَهْمَ والتوفيق على هذا الحديث الشريف فيستخدمه في الإساءة إلى بنات سيدتنا حواء، فيطعن في حِكمتهنَّ ورُجْحان عُقولهنَّ، ثم يستدل على كلامه بهذا الحديث الشريف!!!.. وهذا فيه من الخطأ الفاحش والبُعد عن الحقيقة ما لا يخفى على أحد… فالرسول الكريم r بيَّن ووَضَّحَ المقصود من كلامه بما لا يدع مجالاً للشَّك وسوء الفهم إلا عندَ مَن هو مُصِّرٌ على أن يتجاوز حدوده، فوَضَّحَ أنَّ نُقْصَان العقل يعني به أن شهادتها تعدل نصف شهادة الرجل لا غيرَ ذلك، مشيراً إلى قوله تعالى: ).. واسْتَشْهِدُوا شَهِيْدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم فَإِنْ لم يَكُونَا رَجُلَيْن فَرَجُلٌ وامْرَأتَانِ مِمِّن تَرْضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ…(. [سورة البقرة – الآية282]. وأنَّ نُقْصَان الدين المقصود منه الأيام التي تمتنع فيها عن الصلاة والصوم بسبب الحيض، بينما لا يوجد مثل ذلك عند الرجال، مع التنبيه على أمر أنَّ الحيض من بنية المرأة التي خلقها الله تعالى وليس الأمر عائداً إلى المرأة نفسها.. وليس المقصود من نقصان الدين المذكور في الحديث اتهام تقوى المرأة أو التزامها بأوامر ربها بالنقصان والتقصير..فليُعْلم ذلك جيداً.. فنقصان العقل والدين المذكور في الحديث ليس عيباً أو نقصاً في المرأة كما يعتقد بعض من ليس لهم نصيب من العلم والفهم !!!..

وبالتالي فإنَّ إساءة فهم أو استخدام هذا الحديث هو اعتداء على كلام رسول الله r، وهذه جريمة عظيمة... ولا يُ! عْذَر أبداً من يقول قصدت المُزاح لا الحقيقة... فهذا دين الله تعالى ..

* أهم المصادر والمراجع :

- الأربعون العلمية: عبد الحميد محمود طهماز.

- دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة: د. عمر سليمان الأشقر وآخرون.

- فتح الباري شرح صحيح البخاري: الإمام ابن حجر العسقلاني.

- صحيح مسلم بشرح النووي: الإمام النووي.