|
الإغماء.. دراسة طبية شرعية
الإغماء Faintness
هو الغيبوبة أو فقدان الوعي ، لفترة قد تطول أو تقصر ، وأسباب
الإغماء كثيرة جداً فقد يحصل بسبب بعض الأمراض كالداء السكري والصرع وغيره من
الأمراض ، وقد يحصل نتيجة الرَّضّ الشديد كالضَّرب على الرأس ، وقد يحصل بسبب
الرُّعب الشديد أو بسبب الأزمات العاطفية الحادة كالفجيعة بموت شخص عزيز ونحوها!
!!
·
أحكام
الإغماء :
1- الإغماء يرفع التكليف : لا تختلف أحكام الإغماء
وإن اختلفت أسبابه ، لأن المُعَوَّل عليه في هذه الأحكام هو فقدان الوعي الذي يحصل
من الإغماء ، وبما أن العقل هو المعَوَّل عليه في التكاليف الشرعية ، فإن التكليف
يرفع عن المغمى عليه حال إغمائه ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : « رفع القلم
عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ».
أخرجه! أبو داود.
2- عبادات المغْمَى عليه : تجوز بعض العبادات من المغمى
عليه إن كان قد نوى القيام بها قبل إغمائه على التفصيل التالي :
· الوضوء والصلاة : أجمع
الفقهاء على أن الإغماء ينقض الوضوء ، والتيمم قياساً على النوم ، وذهب المالكية
والشافعية وهو قول عند الحنابلة إلى أن المغمى عليه لا يلزمه قضاء الصلاة التي
أغمي عليه خلال وقتها ، إلا أن يفيق في جزء من وقتها...
وقال الإمام أبو حنيفة النعمان وأبو
يوسف: إن أغمي عليه خمس صلوات وجب عليه قضاؤها ، فإن زادت عن خمس سقط القضاء في
الكل ، لأن ذلك يدخل في التكرار فأسقط القضاء كما هي الحال في الجنون ، وذهب الحنابلة
إلى أن المغمى عليه يقضي جميع الصلوات لتي فاتته حال إغمائه.
· الصوم : إذا نوى الصيام
من الليل ثم طرأ عليه الإغماء فلم يفق إلا بعد الغروب لم يصح صومه عن الجمهور ،
لأنهم اشترطوا لصة الصوم مواصلة النية ، أما الحنفية فقد ذهبوا إلى صحة صومه لأنه
قد نوى الصوم ابتداءً ، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة صومه ، قياساً على
النوم الذي لا يُفْسد الصّوم.. فإن أفاق من إغمائه أثناء النهار فصومه صحيح على
رأي الجمهور ، واشترط الحنفية تجديد النية إذا أفاق ، وأما المالكية فقد ذهبوا إلى
عدم صحة صومه.
· الحج : بما أن المغمى
عليه لا يستطيع القيام بأعمال الحج ، فقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن يُحْرِم عَنْه غَيْرُه لأن
صَحْوَهُ من الإغماء مُتَوَقَّع في فترة وَجِيْزة ، بينما أجاز أبو حنيفة أن يحرم
عنه رفقاؤه ، فإن أفاق في زمن يُدْرك فيه الوقوف بعرفة أحرم حيث هو ، ولا دم عليه
في عدم إحرامه من الميقات ، أم الوقوف في عرفة فقد أجمعوا على أنه لو أفاق في زمن
الوقوف ولو لحظة لأجزأه ذلك ، أما إذا لم يُفق من إغمائه إلا بعد الوق! وف فمذهب
المالكية والحنابلة أن الحج قد فاته في ذلك العام ولا عبرة بإحرام أصحابه عنه ووقوفهم
به في عرفة وللشافعية قولان في هذا ، ويكتفي الحنفية في وجوده في مكان الوقوف
وزمنه مع سبق إحرامه قبل الإغماء.
3- العناية بالمريض المغمى
عليه : غالباً
ما يكون الإغماء عابراً فيصحو الشخص خلال ثوانٍ أو دقائق معدودات إلا أن الإغماء
في بعض الحالات المرضية قد يستمر لعدة ساعات أو أيام ، بالإجمال فإن المرضى المغمى
عليهم يحتاجون عناية طبية مركَّزة ، ويحتاجون من الناحية الشرعية إلى عناية بستر
عوراتهم لأنهم لا يقدرون على سترها ويجب على المسؤولين عن تطبيب هؤلاء المرضى وضع
ضوابط مشددة للح! يلولة دون الخلوة المحرَّمة بهم ، لما فيها من محاذير بسبب
إغمائهم وعدم إدراكهم لما يُفْعل بهم ، واحتمال وقوع الاعتداء الجنسي وغيره عليهم
!! أو كشف عوراتهم ولمسها والنظر إليها من قبل بعض ضعاف الإيمان ومن لا يخشون الله
تعالى !! ولهذا يَحْسُن ألا يترك المريض المغمى عليه في غرفة منفردة ، وأن يكون
تحت رقابة جماعية مستمرة ، لمنع أي تجاوزات طبية أو شرعية.
4- الإغماء المديد : قلنا إن الإغماء غالباً
ما يكون عابراً فلا يستمر إلا لثوان أو دقائق معدودات ، ولكن هناك حالات من
الإغماء قد تدوم زمناً طويلاً ، بسبب بعض إصابات الدماغ وغيرها ، ونذكر من حالات
الإغماء المديد النادرة حالة الأمريكية ( ألين إسبو زيتو ) التي أجريت لها عملية
استئصال للزائدة الدودية 6/8/1941م دخلت على إثرها في حالة إغماء لم تستفق منها
إلا أن توفيت في يوم 2! 5/11/1978م ، أي أن إغمائها استمر نحو 38 عاماً !! ومن
الناحية الشرعية فإن مثل هذه الحالات يترتب بعض الضرر على الشخص أو الأشخاص ذوي
العلاقة بالمريض كالزوج أو الزوجة أو الأقرباء ، لهذا تترتب على الإغماء المديد
بعض الأحكام التي تضاف إلى ما سبق بيانه من أحكام الإغماء العامة ، وهي على
التفصيل الآتي :
· إذا كان هناك أملٌ ففي ش
فاء المغمى عليه إغماءً مديداً فلا
خيار للزوجة أو الزوج بالتفريق .
·
أما إذا قطع
الأطباء بأنه لا يُرجى بُرؤُه ، كأن يصل إلى ما يعرف طبياً باسم حالة الحياة الإنباتية فيجوز للزوجة أن
تتطلب التفريق لأنه يُعَدُّ ميتاً في حقها ، فتعتدت له عدّة وفاة ثم تتزوج إن
أرادت ، وربما كان أولى بها أن تصبر وتحتسب أجرها عند الله عزوجل إلى أن يحكم الله
تعالى في مرضه .
· وإذا كانت الزوجة هي
المصابة فالأولى بزوجها أيضاً أن يبقى على عصمته وأن يستمر في رعايتها والنفقة
عليها حتى يحكم الله عزوجل في مرضها .
·
وأما
أحكام الوفاة الأخرى كالإرث وغيره فلا
تنفَّذ إلّا إذا قطع الأطباء يقيناً بوفاة المغمى عليه أو المغمى عليها .
·
ولا يجوز
إنهاء حياة المغمى عليه إغماءً مديداً حتى وإن قطع الأطباء أنه لا أمل في شفائه ،
لأنه يعدُّ حيّاً ما دام يتنفس تلقائياً وقلبه ينبض دون مساعدة الأجهزة ومادام لم
يصل بعد إلى مرحلة موت الدماغ ويجب بذل العناية الطبية اللازمة له حتى يثق من
إغمائه أو وفاته.
* أهم المصادر
والمراجع :
- أحكام
الجراحة الطبية : د. محمد المختار الشنقيطي.
- الموسوعة الطبية الفقهية : د. أحمد كنعان.
- الأحكام الشرعية للأعمال الطبية : د. أحمد شرف الدين.
- رد المحتار على الدر المختار : الإمام ابن عابدين.
- مواهب الجليل شرح مختصر سيدي خليل : الحطاب.
- المجموع شرح المهذب : الإمام النووي.
- كشاف القناع عن متن الإقناع : الشيخ منصور البهوتي.
|