* أحكام الاستحاضة:-
* طَهَارة المُسْتَحَاضة:-
الاستحاضة حدث أصغر دائم، كسلس بول أو غائط أو رعاف
دائم كجرح لا يَرْقَأ دمه أي لا يَسْكُن، وحكم المستحاضة حكم الطاهرات في وجوب
العبادات، فلا تُمْنع المُستحاضة شيئاً مما تمنع منه الحائض والنفساء كالصوم
والصلاة، والطواف وقراءة قرآن ومَسّ مصحف وغير ذلك، فإذا انقضى حيض المرأة أو
نفاسها وحكم بأنها مستحاضة وجب عليها أن تغتسل غُسْلَها للحدث الأكبر، ثم إذا أرادت
أن تصلي فرضاً، فإنها تغسل فرجها قبل الوضوء، ثم تحشوه قطناً أو تَشُدُّ عليه
خِرْقَة دفعاً للنجاسة أو تقليلاً لها، ولئلا يَخْرج الدم فيتنقض وضوؤها -ويستثنى
من وجوب الحشو عند الوضوء أن تَتَضرَّر منه أو تكون صائمة فتترك الاحْتِشَاء
نهاراً لئلا يفسد صومها- ثم بعد ذلك تتوضأ لوقت كل صلاة ما دامت مستحاضة لقول النبي
r لفاطمة: «توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت».رواه أحمد وأبوداود
وصححه. وفي لفظ قال لها: «توضئي لوقت كل صلاة».رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. ويجوز
لها أن تصلي بذلك الوضوء ما شاءت من الفروض والنوافل، باعتبارها من أصحاب الأعذار
ولمحل الضرورة واستدل الفقهاء على ذلك بما ورد من الأحاديث الثابتة في ذلك، والتي
منها:
- ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: قالت
فاطمة بنت أبي حُبَيْش رضي الله عنها للنبي
r: يا رسول الله إني امرأة
أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله r:
«لا، إنما ذلك عِرْقٌ وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي
عنك الدم ثم صلي».رواه البخاري.
- ولأمره فاطمة بنت أبي حُبَيْش رضي الله عنها بالصوم
والصلاة في حال الاستحاضة. رواه أبو داود والترمذي وصححه.
فإذا انقطع دم المستحاضة انقطاعاً محققاً زالت عنها
حالة الاستحاضة، وعند الشافعية إذا حصل هذا بعد صلاتها فصلاتها صحيحة، لكن تبطل
طهارتها فلا يجوز لها أن تصلي إلا أن تجدد وضوءها، أما إذا زالت عنها حالة
الاستحاضة قبل الصلاة وكانت متوضئة فإن طهارتها تبطل وعليها أن تجدد الوضوء، وأما
إذا زالت عنها حالة الاستحاضة وهي في صلاتها فإن صلاتها وطهارتها تبطلان... وقد
ذهب الحنابلة إلى ما ذهب إليه الشافعية..
أما الحنفية فلم يفصِّلوا في أحوال المستحاضة لأنهم
يعدونها معذورة لوجود العذر في الوقت ولو للحظة وأما المالكية فهم يرون أنها طاهرة
حقيقة، ولا عِبْرَة أو أثر عندهم لزوال حالة الاستحاضة عنها..
فالمستحاضة تعتبر نفسها حائضاً قدر الأيام التي كان
يأتيها فيها الحيض ، قبل أن يصيبها ما أصابها من الاستحاضة.. حتى إذا ما مضى قدر
أيام عادتها الأصلية – وهي ما بين خمسة إلى سبعة أيام عند غالب النساء – فإنها
تعتبر طاهرة من الحيض، فتغتسل ولا تكون عندها ممنوعة مما تمنع منه الحائض، ولكنها
تتوضأ لكل صلاة، وإلى هذا الرأي ذهب جمهور الفقهاء والعلماء - رحمهم الله تعالى-.
* جماع المستحاضة:-
أجاز معظم الفقهاء للزوج أن يُجَامع زوجته حال
الاستحاضة، مستدلين بما رواه أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش رضي الله عنها
أنها كانت تُسْتَحاض وكان زوجها طلحة بن عبد الله يُجَامعها، وأن أم حبيبة رضي
الله عنها كانت تُسْتَحاض وكان زوجها عبد الرحمن بن عوف يُجَامعها، ولكن الاحتجاج
بهذين الدليلين فيه نظر، لأن غاية ما تدل عليه رواية عكرمة أنه فعل صحابي، وهو
جماع طلحة لزوجته المستحاضة حمنة، وكذلك الأمر بالنسبة لعبد الرحمن بن عوف وزوجته
المستحاضة أم حبيبة، ولم يُنْقل إلينا تقرير النبي r
لهذين الفعلين ولا الإذن لهما بذلك... بل رأى بعض الفقهاء أن ليس للزوج أن يجامع
زوجته حال كونها مستحاضة، وقد روى الإمام الدارمي عن عائشة رضي الله عنها أنها
قالت: «المستحاضة لا يأتيها زوجها»رواه الدارمي بإسناد صحيح.. وروى أيضاً: عن خالد
بن مهران: (أن الإمام محمد بن سيرين كان يَكْرَهُ أن يَغْشَى الرجل زوجته وهي
مستحاضة).وإسناده صحيح. وله شاهد عند ابن أبي شيبة.
ولكننا نقول إن المرأة إذا طالت فترة استحاضتها،
وخَشِيَ الزوج على نفسه الوقوع في الحرام.. جاز لها أن تغسل فرجها وتُنَظِّفُه ثم
يُجَامعها للضرورة.
وقد روي عن الإمام أحمد: أنْ ليس للزوج جماع زوجته
المستحاضة إلا أن يخاف على نفسه الوقوع في الزنا والعياذ بالله تعالى، ومن وُجْهَة
نظر الطب نرى أن مخاطر الجماع حال الاستحاضة قد لا تقل عن مخاطره في الحيض، بل قد
تكون في بعض الحالات أشد خطراً، لأن دم الاستحاضة ينتج غالباً عن عِلَّة مرضية
كالالتهاب أو ورم أو غير ذلك، والجماع في مثل هذه الحالات ينطوي على مخاطر كبيرة،
منها انتقال المرض إلى الزوج إن كان المرض من النوع الساري، أو حصول مضاعفات للمرض
نفسه عند المرأة بسبب الجماع، ولهذا يَنْصَح الأطباء جداً بِتَجَنُّب الجماع حال
الاستحاضة، خاصة وأن الالتباس كثيراً ما يحصل بين الحيض والاستحاضة، وهذا ما يجعل
الابتعاد عن الجماع هو الأحْوَط والأولى شرعياً وصِحَّياً، وهذا ما ذهب إليه
الإمام أحمد في رواية عنه كما ذكرت آنفاً.. والله أعلم.
* فائدة: وقال بعض أهل العلم: دم
الاستحاضة مع دم الحيض مشكل، ولابد من فاصل يميز بينهما، والعلامات ثلاث:-
الأولى: العادة وهي أقوى العلامات لأن
الأصل بقاء الحيض دون غيره، فإذا انتهت أيام الحيض التي اعتادتها المرأة واستمر
الدم بالنزول، لجأت المرأة إلى التمييز، فإن تغير لون الدم ورائحته فهو استحاضة.
الثانية: التمييز فإن دم الحيض أسود ثخين
تعرفه النساء، ودم الاستحاضة أحمر صافٍ -كما بَيَّنا في الجدول السابق-.
الثالثة: اعتبار غالب عادة
النساء، فكل امرأة تحيض بعدد الأيام التي اعتادت عليها في كل شهر قمري، وما زاد عن
ذلك يكون استحاضة، خاصة إن وافق ذلك تَغَيُّر في صفة الدم النازل بعد انتهاء
الأيام التي اعتادت المرأة أن تكون حائضاً فيها.
& & &
* أهم المصادر والمراجع:
- الموسوعة الطبية الفقهية: د.أحمد
كنعان.
-
الفقه
الإسلامي وأدلته: د. وهبة الزحيلي.
- المفصل في أحكام المرأة والبيت
المسلم: د. عبد الكريم زيدان.
- المجموع شرح المهذب : الإمام
النووي.
- المُغني :
الإمام ابن قدامة.
- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير :
الإمام الدسوقي.
- رد المحتار على الدر المختار :
الإمام ابن عابدين.
- توضيح الأحكام من بلوغ المرام : عبدالله البسام.
- نيل الأوطار من أسرار منتقى
الأخبار : الإمام محمد بن علي الشوكاني.
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد: الإمام
ابن رشد القرطبي.