الاسْتِحَاضَة بَيْنَ الطِّب والشَّرْع (1)

* تعريف الاستحاضة:

هي سيلان الدم من المرأة في غير أوقاته المعتادة، وينشأ عن مَرَضٍ وَفَسَادٍ، ويكون غالباً من عِرْقٍ في أدنى الرحم..

فهو غير دم الحيض الذي يُعَاوِدُ المرأة مرةً واحدةً في كل شهر قمري، وغير دم النفاس الذي تراه المرأة بعد الولادة، وقد يتصل دم الاستحاضة بالحيض أو بالنفاس وقد لا يتصل بهما.

* الاستحاضة من وجهة نظر الطب:

إنَّ الاستحاضة حالة تشبه الحيض من حيث وجود سيلان دموي يخرج من الفرج، لكنها تختلف عنه أنها حالات من نزوف مرضية لها أسباب كثيرة منها:-

1- النزوف الطمثية(الحيضية): وتنتج عن تطاول فترة الحيض الطبيعية، ولا يخلو الجماع فيها من خطر التهاب الرحم ورضوضه.

2- النزوف الرحمية: وهي نزوف تحدث لسبب أو عِلَّة موضعية في الرحم، وهي إما أن تحدث أثناء الحمل أو في غير حالة الحمل.

فالنزوف التي تحدث أثناء الحمل قد تنتج عن تهديد بالإسقاط أو لعيوب مَرَضيّة أو لأشكال شاذة من الحمل، كالرَّحى العذارية أو الحمل خارج الرحم.. وكلها حالات مرضية قد تهدد حياة الأم أو الجنين، كما أنها تزداد سوءاً بالجماع الذي يَرُضّ الرَّحم ويُفَاقِم الحالة المرضية.

أما في غير فترة الحمل، فهناك حالات مرضية عديدة، يمكن أن تؤدي إلى النزوف الرحمية (الاستحاضة) كالتهاب باطن الرحم والأورام السليمة والخبيثة، والبوليبات وعقب الرضوض التي تُصِيب الجهاز التناسلي للمرأة، ودوالي المهبل وعنق الرحم، والجماع في هذه الحالات يزيد من شدة الرَّضْ وكمية النزف.

وبما أن دم الاستحاضة ينتج غالباً عن علة مرضية، كاضطراب الهرمونات أو الأورام، أو غيرها من الآفات التي قد يكون بعضها خطيراً، فإننا ننصح المرأة باستشارة طبيبتها عند رؤيتها لأي دم غير مُعْتاد من أجل تحديد منشأ هذا الدم، وهل هو طبيعي أم لا؟.. ومِن ثمَّ اتخاذ الإجراء المناسب..

 

* الفَرْقُ بين دم الحيض ودم الاستحاضة:-

اعتنى الإسلام عناية فائقة في التفريق بين دم الحيض ودم الاستحاضة.. لما يترتب على التفريق بينهما من فوائد وأحكام.. فالحائض لا تصلي ولا تصوم ولا تطوف حول الكعبة ولا تقرأ القرآن ولا يُجَامعها زوجها.. والمستحاضة تفعل ذلك جميعه مع اختلاف بعضهم في الجماع.. حيث يرى بعض الفقهاء أنه غير جائز.. ولأهمية التفريق بينهما رأينا أن نشير إلى أهم الفروق بينهما طبياً.. فإذا عرفنا ومَيَّزنا بين الدمين.. اتضحت لنا الفروق بينهما شرعياً..

 

نوع الفرق

الحيض

الاستحاضة

المصدر

يصدر عن بطانة الرحم.

يصدر عن قَعْر الرحم أو غيره من الأعضاء التناسلية.

الوقت

يُعَاود المرأة بصورة دورية في كل شهر قمري، ووقته معلوم.

ليس له وقت معلوم، ويكون مستمراً.

التكوين

يتكون من كرات الدم الحمراء والبيضاء، وقطع من الغشاء المخاطي المبطن للرحم.

يتكون من كرات الدم الحمراء والبيضاء.

 التجلط

لا يتجلط.

قابل للتجلط.

 اللون

أسود ثخين ومحتدم وقد يتحول إلى الصفرة والكدرة وقد يكون مخاطاً.

أحمر قاني ورقيق القوام.

الكثافة

كثيف.

ليس كثيفاً.

الصحة والفساد

هو دم صحيح لأنه ظاهرة فطرية طبيعية تصيب النساء.

هو فاسد لأنه ينتج عن علة مرضية غالباً.

 

* سَبْقٌ نُبَوِيٌّ مُعْجِزٌ:-

روى الإمام البخاري – رحمه الله تعالى – في صحيحه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيْش رضي الله عنها إلى النبي r فقالت: يا رسول الله إني امرأة أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله r:«لا، إنما ذلك عِرْقٌ وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي». قال أبي(أي عروة): أي ثم تَوَضَّئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت. وفي رواية أخرى: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي».رواه البخاري ومسلم.

ولقد قال رسولنا الكريم r في وصف دم الحيض في حديث فاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي فإنما هو عرق».رواه أبو داود والنسائي.

ما رأيكم بِرَجُلٍ يُفَرِّقُ بين دم الحيض ونزف الرحم الذي يكون من العروق منذ أربعة عشر قرناً، في وقت كان الناس فيه ينسبون هذه الأمور إلى الأرواح الشريرة والشياطين، ويعبدون الأصنام وقوى الطبيعة، مع أن الأطباء في زماننا هذا يلتبس عليهم الأمر أحياناً، ويصعب عليهم التمييز بين دم الحيض والنزف وبخاصة إذا كان الحيض غير منتظم؟؟ إن هذا لا يمكن أن يعرفه إنسان في ذلك الزمان إلا إذا كان تعليماً من عند الله تعالى..

وقد أَوْضَحَ النبي r في هذا الحديث أن دم الحيض قاتم اللون يميل إلى السواد، وهو كذلك لأنه ينشأ عن تَنَخُّر الطبقة السطحية من غشاء الرحم المخاطي وسقوطها بفعل التبدلات الهرمونية التي تحدث في أيام الدورة الشهرية، أما الدم الآخر الذي ينشأ عن مختلف أنواع الأورام الرحمية، أو عن الإسقاط وعواقبه، أو عن أمراض الدموية أو غيرها فهو نزف من أحد الحروق، وله صفات دم العروق من لون وتجلط وغيرهما، كما أن رائحة هذا تختلف عن رائحة ذاك..

 

&          &          &

* أهم المصادر والمراجع:

- الطب الإسلامي: د. محي الدين طالو العلبي.

- خلق الإنسان بين الطب والقرآن: د. محمد علي البار.

- الموسوعة الطبية الفقهية: د.أحمد كنعان.

- الفقه الإسلامي وأدلته: د. وهبة الزحيلي.

- دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة: د.عمر سليمان الأشقر.

- الحقائق الطبية في الإسلام: د. عبدالرزاق الكيلاني.

- بداية المجتهد ونهاية المقتصد: الإمام ابن رشد القرطبي.

- الموسوعة الفقهية الكويتية، وزراة الشؤون الاجتماعية والأوقاف – الكويت.