أحكام صوم المريض ومن في حكمه
*
صوم المريض :
المرض عارضٌ يتعب البدن ويرهق
النفس ، وقد يتعذَّر معه الصيام ، إما لشدة المرض وإما لاضطرار المريض أن يداوم
على تناول الدواء، ولهذا أجاز الشارع للمريض أن يفطر في شهر رمضان ( ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّة من أيام
أُخر) [ البقرة : 185] أما من هو المريض الذي يجوز له أن يفطر في
رمضان ، ومن هو المريض الذي لا يجوز له أن يفطر ؟؟ فيه تفصيل نورده بعد قليل ، ولكن لابد من
التذكير بأن الصوم عبادة من أجل العبادات ، حتى لقد قال الله عنها عزوجل في الحديث القدسي ( كل عمل ابن آدم إلا الصيام
فإنّه لي ، وأنا أجزي به) وحَرِيُّ بالمريض المسلم أن يحرص على الصوم قدر المستطاع
ما لم يضرّ الصيام به والضابط في هذه المسألة هو التقوى ، وكل إنسان أدرى
بقدرته على الصيام ، ويعرف ذلك بغلبة
الظنِّ ، وهي كافية في الأحكام العملية، وتعرف بأحد أمرين: إما بالتجربة ، بأن
يكون قد جرّب الصيام يوماً أو أكثر فشَّق
عليه أو زاد وجعه وإما أن يكون ذلك بإخبار طبيب مسلم ثقة في دينه وفي طبّه فيخبره بأن
صومه يضرّه أو يزيد مرضه... ويمكننا إجمال
الأحكام التي تتعلق بصوم المريض في رمضان على النحو الآتي :
*
المرض من الأعذار التي تبيح الإفطار في رمضان ، لقوله تعالى: ( ومن كان مريضاً أو على سفرٍ
فعدّة من أيام أُخر) ، وفد ذكر ابن قدامة أن :( المرض لا ضابط له ، فإن الأمراض
تختلف : منها ما يضرُّ صاحبه الصوم، ومنها ما لا أثر للصوم فيه كوجع الضرس ، وجرح
في الإصبع والدُّمَّل والقرحة اليسيرة والجرب وأشباه ذلك ، فلم يصلح المرض ضابطاً
، وأمكن اعتبار المحكمة ، وهو ما يخاف منه الضرر ) فالمريض الذي يخاف تفاقم علته
بالصوم ، أو إبطاء الشفاء ، أو فساد عضو ، يجوز له أن يفطر بل يسنّ له الفطر
ويٌكره أن يحمل نفسه على الصيام ، فليس من البر الصوم في المرض ، لأن في صومه
ضرراً ، والقاعدة تقول : دفع المفاسد مقدم على جلب المنافع ، وأما المرض الذي لا
يتأثر بالصوم ونحها من العلل الخفيفة يجوز للصحيح أن يفطر إذا غلب على ظنِّه أنه
يمرض أن هو صائم .
* من أصبح صائماً ثم طرأ عليه
المرض جاز له أن يفطر ، ولو كان صحيحاً فأرهقه الجوع والعطش حتى خاف على نفسه
الهلاك أو المرض جاز له أن يفطر ، ثم يقضي ما أفطره من أيام
* من أفطر في رمضان لعذر المرض
عليه بعد أن يشفى قضاء الأيام التي أفطرها لقوله تعالى: ( أياماً معدودات
فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدّة من أيام أُخر) [ البقرة : 184] فإن كان
المرض لا يُرجى برؤه فلا قضاء عليه .
* إذا لم يتمكن المريض ومن في حكمه من القضاء حتى مات فلا شيء عليه لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت فسقط حكمه ، ولا يصام
عنه ولا كفارة فيه ، أما إن زال المرض أو
العذر وتمكن من القضاء لكنه لم يقضِ حتى مات فالجمهور على أنه لا يُصام عنه لأن
الصوم كالصلاة واجب بأصل الشرع لا يقضى
عنه ولا تدخله النيابة في الحياة ولا بعد الممات ... وذهب بعضهم إلى جواز أن يصوم
عنه وليه ، لحديث أم المؤمنين عائشة رضي
الله عنها) من
مات وعليه صيام صام عنه وليُّه).
* المريض الذي يضطر لإجراء عملية جراحية ، إن كانت العملية بتخدير موضعي لا
يفقد خلالها وعيه فإنها غير مفطرة ، أما العمليات الجراحية التي تجري بتخدير عام يّفقد المريض وعيه فإنها مفطرة
وحكمها حكم الإغماء .. والأولى تأجيل
العمليات الجراحية الاختيارية ، أي غير
المستعجلة إلى ما بعد رمضان .
* ما يُعطى للمريض الصائم من حقن جلدية أو وريدية لا يفطر كما أشلانا آنفاً ، ونرى أن الأولى
للمريض الذي يحتاج إلى محاليل مغذية أن يفطر ثم يقضي ما أفطره ، لأنَّ الفطر يساعد
جسمه على مقاومة المرض .
* صوم الحامل
والمرضع : الحمل والرضاعة
عارضان يُرهقان المرأة جسدياً ونفسياً ، وبعض النساء أكثر تأثراً بالصوم من
البعض ، وإن كانت هناك عوامل إضافية مثل
الوَحَم والتسمم الحملي وغيره ، كان التأثير أشد ولهذا أجاز الشارع للحامل
والمرضع الفطر في رمضان ، إذا خافت على نفسها أو على ولدها المرض أو الضرَّر ،
ويحسن بالمرأة المسلمة أن تستشير في هذه الأحوال طبيبة أو طبيباً ثقة فإذا تحسنت
حالتها بعد الوضع أو بعد الفطام وجب عليها
أن تقضي الأيام التي أفطرتها .
* صوم الشيخ الهرم: الشيخ الهرم الذي فنيت قوته ولم يعد قادراً على
تحمل مشقة الصوم يُرخص له بالفطر ، وقد اشترط بعض الفقهاء لهذه الرخصة أن يكون
عجزه مستمراً ، فلو لم يقدر على الصوم في حر الصيف مثلاً وقدر عليه في الشتاء ، أفطر في الصيف وقضى في الشتاء وأما الشيخ الذي
لم تعد به طاقة على الصوم فلا يجب عليه ولا يلزمه القضاء.
* صوم الطفل: لا يجب الصوم على الطفل الذي لم يبلغ الحلم إلا
أن تدريبه على الصوم يؤهله للصوم عندما يكبر ، أسوة بالصلاة ، التي امرنا النبي
عليه الصلاة والسلام أن ندرِّب أولادنا عليها حيث قال: « مروا أولادكم بالصلاة وهم
أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرِّقوا بينهم في المضاجع ». وعلينا
أن نراعي التدرج في صوم الطفل فنبدأ تدريبه على الصوم من سنّ السابعة فيصوم عدة
ساعات في اليوم فقط.. لا اليوم كله ، فإن كان يستطيع صيام اليوم كله فلا يحمل على
صوم كل رمضان بل يصوم بعضه ويفطر بعضه ، ويزاد له في كل رمضان بالساعات والأيام
حتى إذا بلغ العشر سنين فيشجع على صوم الشهر كله ، فإنّ غالب الأولاد في هذه السن
يمكن أن يصوموا رمضان ولا سيما في البلدان المعتدلة التي يتقارب فيها طول الليل
والنهار.
*المصدر:
- الموسوعة الطبية الفقهية: د. أحمد كنعان.
- النفائس الطبية في الأحاديث النبوية: د. صلاح الأجاوي.
- روائع الطب الإسلامي: د. محمد نزار الدقر.
- الطب النبوي والعلم الحديث: محمود ناظم النسيمي.
- المرشد الإسلامي في الفقه الطبي: د.توفيق الواعي وآخرون.
- رد المحتار على الدر المختار: الإمام ابن عابدين.
- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: الإمام الخطيب الشربيني.
- مواهب الجليل شرح مختصر سيدي خليل: الإمام عبدالله بن محمد الحطاب.
- كشاف القناع عن متن الإقناع : منصور بن أحمد البهوتي.
- نظرية الضرورة الشرعية: د. وهبة الزحيلي.
|