الصوم.. رؤية طبية شرعية (2)

 * مستحبات الصوم:

وتستحب للصائم أمور منها:

يستحب السحور للصائم ، لقول النبيّ - صلى الله عليه وسلم-: (تسحّروا فإن في السحور بركة) ويستحب أكل التمر في السحور لقول النبيّ – صلى الله عليه وسلم- (نعم سحور المؤمن التمر) لأن في التمر نسبة عالية من السكريات التي توفر الطاقة للجسم خلال فترة الصوم، ومن السنة تأخير السحور وتعجيل الفطر وقد لاحظنا نحن الأطباء أن هذه السّنة تدرأ عن الصائم (صداع الجوع) الذي ينتاب الصائمين الذين لا يتسحرون، وينتج عن هبوط نسبة السكر في الدم ولهذا ننصح بالسحور، وأن يتضمن طعامـاً حلواً كالتمر ونحوه . 

 

·       ويستحب أن يكون الفطر على الرّطب أو التمر أو الماء، لما ورد في حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه- قال :( كان النبيّ عليه الصلاة والسلام يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات ،فإن لم تكن حسا حسوات من ماء). فإن لم يجد أفطر على أي طعام حلو كالعسل أو غيره، وذلك لتعديل هبوط نسبة السكر في الدم الذي يسبب الصداع كما ذكرنا!!..

·       ويستحب الدعاء عند الإفطار لما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: (إن للصائم دعوة لا ترد).

·       ويسنّ للصائم في رمضان صلاة التروايح بعد العشاء، وهي –إلى جانب أنها قربة إلى الله تعالى- فإن فيها من الحركات ما يعين الصائم على النشاط ، ويخفف عنه التعب، الذي يحس به الصائم عادة بعد الإفطار، كما ذكرنا.. !!

ويستحب للصائم – أكثر من غيره- أن يترفع عن المعاصي الظاهرة والباطنة، وأن يصون لسانه عن اللغو وغيره من علل اللسان، وأن يصون قلبه عن الشهوات والمحرمات ويشتغل بالعبادة وذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، لكي يُثمر الصوم بتلك الثمرة الطيبة في تطهير النفس من أدرانها وتخليصها من أمراضها.. وأما أكثرها..!!  

 

* فساد الصوم: يفسد الصوم بانتفاء شرط من شروطه، أو اختلال ركن من أركانه، على التفصيل الآتي:

أ- دخول الشيء عمداً إلى الحلق أو الجوف (= جهاز الهضم) يفسد الصوم ويوجب القضاء، أما الكفّارة فقد اختلفوا فيها : فذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب الكفارة على من أكل أو شرب عامدا َ في نهار رمضان، وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم وجوب الكفارة وفي المفطرات التي تدخل الجوف تفصيل نورده فيما يلي:

 * لا يشترط  أن يكون الداخل إلى الجوف مغذّياً: فلو تناول ما لا يؤكل عادة ً كالحصى أو الحبوب النيئة أو البترول ونحوه فقد أفطر، وعليه القضاء دون الكفّارة  أما شمّ الروائح ورائحة الطعام فإنه لا يفسد الصوم وأن تعمّده ولكن تكره المبالغة فيه وأما تدخين السجائر فإنه يفطر، لأنه إيصال الدخان إلى الحلق والجوف عن 

عمد والبلل الذي يبقى في الفم بعد المضمضة لا يفسد الصوم بشرط أن يبصق بعد مج الماء، وكذلك ابتلاع ما تبقى بين الأسنان بعد طعام السحور مثلا ً إن كان قليلا لأنه تبع لريقه إلى حلقه مختلطاً بشيء من الدم لم يفسده صومه، لكن إن غلب الدم فسد صومه وعليه القضاء دون الكفارة.. وعند الشافعية والحنابلة يفسد صومه لنجاسة الدم.

* السواك: جائز في الصوم ، واشترط المالكية ألا يتحلل منه شيء ويدخل إلى الحلق أو الجوف كيلا يفسد الصوم، واستحب بعضهم ترك السواك بعد الزوال، ويقاس على السواك استخدام فرشاة الأسنان للصائم فهي جائزة، أما معجون الأسنان فجائز بشرط الاحتزازمن وصول شيء منه إلى الحلق والجوف ، لأنه إذا وصل أفسد الصوم.

* النخامة: هي المفرزات المخاطية التي تخرج من جوف الحلق بصورة عفوية أو عن عمد,

  فإنه عند الحنفية والمالكية ورواية عن أحمد لا يفطر إن بلعها, إلحاقاً لها بالريق الذي لا يفطر, ما لم تفحش فإنها عندهم تفطر, وأما عند الشافعية والحنابلة فإن النخامة تفطر إذا بلعها قلت أو كثرت, لأنها لا تلحق بالأكل والشرب .

* القيء: لا يفطر سواء قل أو كثر للحديث الذي تقدم: (ثلاث لا يفطرن الصائم .....)

وعند الحنفية والحنابلة إن عاد القيء إلى جوفه بغير إرادته لا يفسد صومه, وإن عاد بإرادته يفطر, لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمداً فليقض), وعند المالكية يفسد الصوم سواء رجع القيء عمداً أو سهواً, وعليه القضاء دون الكفارة عند الذين قالوا بفساد الصوم...

وإن استقاء عامداً فسد صومه باتفاق الفقهاء, واشترط الحنفية أن يستقيء ملء الفم, وعلى من استقاء عامداً قضاء ذلك اليوم, وأوجب بعضهم عليه الكفارة (=إطعام مسكين عن كل يوم)مع القضاء .

·       القطرات: قطرت الأذن إذا وصلت إلى الجوف فسد الصوم, ومن المعلوم أنه في الأحوال الطبيعية ليست هناك صلة بين الأذن والجوف لأن طبلة الأذن تفصل بينهما ولاكن إن كانت الطبلة مثقوبة أصبحت الأذن منفذ إلى الجوف, فيمكن عندئذ أن تصل القطرة منها إلى الجوف ... وكذلك قطرة الأنف إذا وصل شيء منها إلى الحلق فسد الصوم لأن الأنفمدخل طبيعي إلى الجوف .. أماقطرة العين فإنها لا تفسد الصوم عند الحنفية والشافعية وإن وجد طعمها في حلقه, أما عند المالكية والحنابلة فإنها تفسد الصوم إذا إلى الحلق لأن العين منفذ إلى الجوف وإن كانت منفذ غير معتاد لأن قناة الدمع تصب في الأنف ومنه يمكن أن تصل القطرة إلى الجوف .

*رذاذ الأنف: لا يفطر, لأنه في الغالب نوع من الغاز كالهواء الذي نستنشقه أما إذا صدر عنه رذاذ ووجد طعمه في حلقه فإنه يفطر إذا ابتلعه .

* الناسور:النافذ إلا جهاز الهضم إذا دخل فيه شيء فإنه يفسد الصوم .

*الحقن الشرجية وما في حكمها: قد يستعمل المريض الحقن أو التحاميل أو  المراهم الشرجية بقصد التداوي, وقد يستخدم المريض المنظار الشرجي لتشخيص بعض الأمراض, وقد يفحص الدبر بالإصبع, وقد اتفق الفقهاء على أن إدخال شيء في الدبر يفسد الصوم ويوجب القضاء, سواء كان ماء أو دواء أو منظاراً أو غيره لأن الدبر مدخل للجوف, وذهب رأي غير مشهور عند المالكية والقاضي حسين من الشافعية وابن تيمية إلى أن احتقان الصائم في الدبر لا يفطر لأنه ليس أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب ونرى أن الأولى تأجيل هذه الأشكال من العلاج والفحوص إلى ما بعد الفطور, لأن فحص الشرج والمستقيم ليس إجراءً عاجلاً, والأدوية يمكن تعاطيها ليلاً

في جرعة واحدة أو جرعتين: بعد الفطور وعند السحور.

·       الحقن المهبلية وما في حكمها: تستعمل النساءُ التحاميل المهبلية أو المراهم أو الغسول أو غيرها من العلاجات المهبلية بقصد التداوي, وقد يستخدم الطبيبُ المنظارَ المهبليَّ لتشخيص بعض الأمراض النسائية, وقد يفحص الفرج والمهبل بالإصبع, والراجح أن هذه الإجراءات العلاجية والتشخيصية التي تجري عبر المهبل لا تفسد الصوم لأن الفرج والمهبل ليسا مدخلاً للطعام والشراب, ولا يصل عبرهما شيء إلى الجوف .. و الأولى إرجاء هذه الأمور إلى الليل, فالتنظير المهبلي ليس إجراء عاجلاً, والأدوية يكفي استعمالها مرةً واحدةً أو مرتين في وقت السحور وبعد الفطور, وفي هذا خروج من الخلاف.

·       الحقن الأخرى: لا تفطر في أصح الأقوال, سواء كانت عضلية أو جلدية أو وريدية وسواء كانت مغذِّية أو غير مغذيِّة, وقد صدرت فيها فتاوى عدة, منها فتوى الأزهر التي جاء فيها: (لا يفطر الصائم بالحقن المعروفة الآن بجميع أنواعها, سواء أكان الدواء أو الغذاء يصل بها إلى الجوف أم لا, أما إذا لم يصل فالأمر ظاهر, وإن وصل فإنما يصل من منفذ عارض غير خلقيّ).

·       التبرع بالدم, والفصادة, وسيلان الدم من الجرح: كلها غير مفطرة عند جمهور الفقهاء, أما عند الحنابلة فإنها مفطرة, ونرى من الوجهة الطبية أن يؤجَّل التبرع بالدم وأن تؤجَّل الفصادة إلى ما بعد الفطور فإنه أنسب, ولأن فقدان مقدار كبير من الدم يضعف البدن, وقد يضطر المرء للفطر بسببه.

·       المناظير: منظار المعدة يفطر لأنه يدخل من مدخل الطعام والشراب, وكذلك منظار المستقيم يفطر على رأي الجمهور كما قدمنا, أما منظار المثانة فإنه لا يفطر لأن المثانة ليست مدخلاً إلى جهاز الهضم وكذلك منظار الأذن لا يفطر .. هذا مع التذكير بأن مختلف أشكال التنظير يمكن تأجيلها إلى الليل, أي إلى ما بعد الفطور, لأنها ليست إجراءات عاجلة, وفي هذا خروج من الخلاف.

ب‌-   الجماع: ذهب الجمهور إلى أن الجماع عمداً في نهار رمضان يفسد الصوم سواء أنزل أم لم ينزل, ويوجب على الزوجين القضاء والكفارة (=صيام شهرين متتابعين, أو إطعام ستين مسكيناً) وعند بعض الفقهاء تجب الكفارة على الزوج دون الزوجة سواء كانت طائعة أو مكرهة, وعند بعضهم لا تجب عليها الكفارة إذا غُصبتْ أو كانت نائمة, وعند الجمهور لو تعمَّد إنزال المني بلا جماع كالاستمناء أو اللمس أو التقبيل ونحوه من مقدمات الجماع وجب عليه القضاء دون الكفارة, وعند المالكية يجب القضاء والكفارة أما احتلام الصائم فلا شيء فيه لأنه يحصل دون إرادته وصومه صحيح ومن أجنب ليلاً وأصبح صائماً فصومه صحيح لقول النبيِّ عليه الصلاة والسلام: (ثلاثٌ لا يُفَطِّرْنَ الصَّائم: الحجامةُ, والقيءُ, والاحتلامُ) أما من جامع ناسياً أو مخطئاً أو جاهلاً فالجمهور على أنه لا كفارة عليه, لقوله تعالى: { ..وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً}[سورة الأحزاب, 5], أما الحنفية فقد أوجبوا عليه الكفارة لأن الصوم عبادة يستوي فيها العمد وغيره, فيحرم الوطء فيه, واتفقوا على أن من تكرر جماعه في نهار اليوم نفسه من رمضان فإنَّ الواجب عليه كفارة واحدة.

ت‌-   الإغماء والجنون والسُّكر: اتفق جمهور الفقهاء على أنه إذا نوى الصيام من الليل ثم طرأ عليه واحد من هذه العوارض ولم يفق إلا بعد الغروب فقد فَسَدَ صومُهُ, لأنَّ من شروط الصومِ الإمساكُ مع النية, وذهب الحنفية إلى صحة صومه لأن حكم هذه العوارض كحكم النوم, ونيته صحيحة, وزوال الاستشعار بعد ذلك  لا يفسد الصوم .. فإذا عاد فأفاق أثناء النهار فالجمهور على صحة الصوم, و اشترط الحنفية تجديد النية, أما المالكية فقد ذهبوا إلى عدم صحة صومه.

ث‌-   الحيض والنفاس: يفسدان الصوم, أما الاستحاضة فإنها لا تفسد الصوم لأن الدم النازل فيها ليس حيضاً, ويجوز للمرأة تعاطي الحبوب التي تمنع الحيض خلال شهر رمضان إن رغبت في ذلك.

ج‌-    الإكراه على الفطر: ذهب الحنابلة والشافعية إلى أنه إنْ أكره الصائم على الأمل و الشرب وغيرهما من المفطرات ما عدا الجماع فإنه لا يفطر, سواء أُكره على الفطر حتى فعله, أو فُعل به بأن صُبَّ في حلقه الماء مكرهاً.

 

* المصدر:-

- الموسوعة الطبية الفقهية: د. أحمد كنعان.

- النفائس الطبية في الأحاديث النبوية: د. صلاح الأجاوي.

- روائع الطب الإسلامي: د. محمد نزار الدقر.

- الطب النبوي والعلم الحديث: محمود ناظم النسيمي.

- المرشد الإسلامي في الفقه الطبي: د.توفيق الواعي وآخرون.

- رد المحتار على الدر المختار: الإمام ابن عابدين.

- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: الإمام الخطيب الشربيني.

- مواهب الجليل شرح مختصر سيدي خليل: الإمام عبدالله بن محمد الحطاب.

- كشاف القناع عن متن الإقناع : منصور بن أحمد البهوتي.

- إحياء علوم الدين: الإمام الغزالي.