سرطان القولون

سرطانة القولون الغدية هي أكثر الأمراض الخبيثة في القولون أهمية ، وسندرسها مع سرطان المستقيم في آن واحد .

أما أورام الأمعاء الغليظة الأخرى فهي نادرة ولن تعالج في هذا البحث ، باستثناء السليلات التي ستناقش في نهاية الفصل .

الوقوعات :
تأتي سرطانة الأمعاء الغليظة في الدرجة الثالثة من حيث الشيوع في الولايات المتحدة ( يتقدمها سرطانة الرئة وسرطانة الثدي ) .
وتأتي في الدرجة الثانية عند النساء والرجال على حد سواء . ويقدر عدد الحالات الجديدة المشخصة بـ 145 ألف حالة سنوياً .

ويمثل هذا الرقم نحو خمس عشرة بالمئة من مجموع الأورام الخبيثة عند الرجال والنساء . وتزيد وقوعات هذا الداء في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وأستراليا ونيوزيلندا كثيراً عن وقوعاته في اليابان وأمريكا الجنوبية وأفريقية . وتميل المجموعات السكانية المهاجرة إلى اكتساب نسبة الخطورة التي تتميز بها البيئة الجديدة التي انتقلوا إليها .

الأسباب والإمراض :
لا يعرف السبب المؤدي لحدوث سرطان القولون ، إلا أن هناك عدداً من المشاركات الهامة . فالاختلافات الجغرافية في الوقوعات التي أشرنا إليها آنفاً بالإضافة إلى تبدل الوقوعات لدى السكان المهاجرين يوحي بقوة بأهمية العوامل البيئية .

وقد اتجه الاهتمام بشكل خاص إلى القوت ، ويبدو أن الوقوعات ترتفع عند الذين يكون قوتهم فقيراً بالألياف ، ولكنه غني بالدسم الحيواني والبروتينات وبخاصة البروتينات ذات المنشأ البقري . ويعتقد أن النبيت الجرثومي القولوني المترافق بهذا النوع من القوت قد ينتج مسرطنات تبقى على تماس مع مخاطية القولون لفترات طويلة من الوقت بسبب تطاول زمن العبور القولوني الناجم عن الحمية الفقيرة بالألياف . إلا أن هذه الآراء وما يقال عن التـأثير الواقي للسيلينيوم Selenium وحمض الاسكوربيك و الألفاتوكوفيرول تحتاج إلى براهين تؤكدها .

بالإضافة إلى هذه العوامل البيئية المحتملة عند السكان ، هناك عدد من عوامل الخطورة التي تؤثر على الأفراد. يبدأ خطر حدوث سرطانة القولون والمستقيم بالازدياد حوالي سن الأربعين ويتضـاعف تقريباً في كل من العقود التالية .

هناك عدد من الحالات التي تترافق بزيادة تقلب خلايا المخاطية الذي يمكن أن يؤدي إلى زيادة خطر التسرطن فيها مثل الداء الالتهابي المعوي وبخاصة التهاب القولون التقرحي ، وبعض أدواء السليلات العائلية ( التي ستناقش في وقت لاحق ) .

كما أن قصة سرطان قولون أو أورام غدية قولونية في سوابق المريض الشخصية ، أو قصة سرطان قولون عند أقاربه من الدرجة الأولى ، أو وجود متلازمة السرطان العائلي ( سرطان متعدد البؤر في الأعضاء الأخرى وبخاصة في الأعضاء التناسلية الأنثوية أو في القولون ) تشير إلى زيادة الخطر من حدوث سرطان القولون .

وتوجد بينات متزايدة على أن تنشيط أحد مكونات الأورام o ncogene قد يلعب دوراً رئيسياً في إحداث أورام القولون والمستقيم .

عوامل الخطورة في سرطانة القولون:

-           العمر المتقدم

-           الداء المعوي الالتهابي

-           قمة سرطان قولون أو أورام غدية عند الشخص نفسه

-           قصة سرطان قولون عند أفراد العائلة

-           متلازمات أدواء السليلات العائلية ( السليلات الغدية )

-           قصة سرطان ثدي أو سرطان الأعضاء التناسلية عند المرأة

-           متلازمة بوتز جكـيرز Peutz – Jeghres ( الأورام العابية )

-           ضخامة التهابات

الباتولوجيا :
تختلف سرطانات القولون الغدية اختلافات واسعة في مظهرها النسجي ( الصلد والحليمي واللبي والغرواني ) ، إلا أن الإنذار يرتبط بدرجة غزو الجدار والانتشار حين اكتشاف المرض أكثر من ارتباطه بالشكل الباتولوجي .

يتوضع العدد الأكبر من أورام القولون في النصف الأيسر منه ( الشكل 39-1 ) ، ويمكن كشف خمسين بالمئة منها بواسطة منظار السيني ، لكن يبدو أن هناك اتجاهاً متزايداً لظهور الأورام في القسم الداني من القولون .

المظاهر السريرية :
يغلب أن تكون الأعراض الباكرة لسرطانة القولون خفيفة وغير نوعية ولا سيما في الأورام التي تتوضع في ناحية الأعور والقولون الصاعد حيث يندر حدوث الانسداد ، كما أن النزف الذي يحدث في تلك الأمكنة يمتزج بالبراز بشكل جيد وقل أن يلفت الانتباه .

قد يكون تبدل عادات التغوط العرض الأول لهذا المرض وبخاصة في أورام النصف الأيسر من القولون ، ويأخذ ذلك شكل الإسهال أو الإمساك أو تناوب الإمساك والإسهال ، أو تبدل قطر الكتلة البرازية أو الزحير .

ينجم الألم في أورام النصف الأيسر من القولون عن الانسداد الجزئي الذي يسببه ، أما الألم في أورام النصف الأيمن من القولون فينجم عن غزو الورم لجدار القولون أو البنيات المجاورة . إن التغوط الدموي الأحمر عرض شائع في أورام القولون .

أما النزف الخفي فهو ثابت الحدوث ، ويؤدي ذلك لفقر الدم بعوز الحديد وما يرافقة من أعراض كالضعف وسرعة التعب وقصر النفس . أما الأعراض العامة للخباثات كنقص الوزن والقهم والتوعك فتتأخر عادة في الظهور . يندر أن يتظاهر الورم بالتهاب الصفاق الناجم عن غزو الورم لجدار القولون ومن ثم انثقابه ، أو بالمضاعفات الناجمة عن النقائل مثل اليرقان أو الحبن .

التشخيص :
يجب الاشتباه بسرطان القولون عند كل مريض تجاوز الأربعين من العمر ويشكو من تبدل في عادات التغوط أو في قطر الكتلة البرازية ، أو من ألم بطني غامض أو تغوط دموي أحمر أو فقر دم بعوز الحديد.

ويجب أن لا يعزى وجود الدم الأحمر على سطح البراز إلى البواسـير أو الرتوج القولونية إلا بعد نفي الورم بدقة . وإذا كان المريض يحمل أحد عوامل الخطورة الواردة في الجدول 39-2 فإن عتبة الشبهة تنخفض إلى مستوى أدق . وحتى في الحالات التي تفقد فيها الأعراض والموجودات آنفة الذكر فإن تحري الدم الخفي في البراز بدقة ( باستعمال اختبار هموكلت Hemoccult ) قد يكشف الآفات الخبيثة في وقت مبكر.

تبدأ الدراسة التشخيصية عادة بالمس الشرجي الدقيق يتلوه تنظير السيني والمستقيم لأن الدراسة الشعاعية للمستقيم والقسـم السفلي من السيني كثيراً ما تكون غير مرضية . إذا لم يكشف هذا الفحص أية آفة يعمد لإجراء الفحص الشعاعي للقولون بطريقة التباين المضاعف بعد تنظيفه بعناية .

إذا كشف الفحص الشعاعي أية آفة مشتبهة أو كان سلبياً ولكن الشبهة بوجود آفة ورمية بقيت عالية ، يلجأ إلى تنظير القولون الشامل مع أخذ خزعات متعددة أو مسحات خلوية بالفرشاة من المناطق الشاذة . تنجح هذ الفحوص مجتمعة في كشف الغالبية العظمى من سرطانات القولون .

لا يفيد عيار المستضد السرطاني المضغي Carcinoembryonic (CEA) في تشخيص سرطان القولون ، إلا أنه يفيد في متابعة المريض بعد استئصال الورم لأن ارتفاع مقدار هذا المستضد قد ينذر بحدوث النكس .

يشمل التشخيص التفريقي لهذه الآفة عدداً كبيراً من الأمرض التي تترافق بأحد الأعراض المذكورة آنفاً ، وبخاصة التهاب الرتوج والتهاب القولون الإقفاري والثدن الوعائي والداء الالتهابي المعوي والسليلات الحميدة.

المعالجة والانذار :
المعالجة الوحيدة الفعالة لسرطان القولون هي استئصال الورم وما يجاوره من القولون والمساريق . يجري عادة استئصال نصف القولون لمعالجة أورام القولون الأيمن أو الأيسر أو يجري استئصال أمامي ومفاغرة القولون مع جَدَعة Stump المستقيم لمعالجة أورام السيني والقسم العلوي من المستقيم ، أما أورام المستقيم التي تقع على بعد 5 سم من حِتَار الشرج Anal Verge فتعالج بالاستئصال البطني العجاني مع فغر القولون الدائم .

وقد تستطب الجراحة كعلاج ملطف ولو كانت هناك نقائل ورمية أكيدة ، وذلك في حالة حدوث الانسداد أو الانثقاب أو النزف . تستعمل المعالجة بالتشعيع غالباً في حالة النكس الحوضي أو النقائل الورمية المؤلمة وبخاصـة في العظام وأحياناً في الكبد . وقد استعملت المعالجة الكيميائية بالفلوروأوراسيل Fluorouracil - 5 لمعالجة النفائل الكبدية إلا أن النتائج كانت زهيدة .

إن نتائج المعالجة الجراحية في سرطان القولون الباكر ممتازة ، إذ تبلغ البقيا بعد عشر سنوات 80 - 90 بالمئة عندما تكون الإصابة محصورة بالمخاطية ، و 60 - 80 بالمئة عندما يغزو الورم جدار القولون ، وتهبط النسبة إلى 50 - 60 بالمئة عندما ينتشر الورم إلى العقد الناحية .

يجب متـابعة المريض بعناية بعد الجراحة لكشف النكس وذلك عن طريق تنظير القولون والتصوير الشعاعي وعيار المستضد السرطاني المضغي ( CEA ) بشكل منظم على مدى سنوات عديدة .

التقصي والوقاية Screening and Prevention :
من المرجح أن عملية تسرطن القولون تحتاج إلى سنوات عديدة من التطور . يمكن استئصال السليلات الورمية في القولون وكذلك السرطانة الموضعة الباكرة بسهولة والحصول على نتائج ممتازة بعيدة المدى .

لذلك كان تقص بعض الفئات السكانية بحثاً عن السليلات والسرطانات أمراً بالغ الأهمية وذلك عن طريق تحري الدم الخفي في البراز كل عام ، وإجراء تنظير المستقيم والسيني بشكل دوري بدءاً من سن الأربعين أو الخمسين وبمعدل مرة كل 3 – 5 أعوام .

وإذا كان الدم الخفي في البراز إيجابياً وجب أن يتبع ذلك بدراسة شعاعية أو تنظير شامل للقولون . إلا أنه ما تزال هناك مناقشات حول جدوى هذا النهج مرتفع التكاليف إذا طبق على مجمل السكان . لكن من الواضح أن الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بسرطانة القولون ، بنسبة عالية (المصابون بمتلازمة داء السليلات العائلي أو بالتهاب القولون التقرحي قديم العهد أو الذين في سوابقهم إصابة بسرطانة القولون أو سليلاته ) يجب تقصيهم بشكل دوري ، إلا أن ذلك قد يتطلب طرقاً أخرى مثل تنظير القولون الشامل .